جوهر المقولة
يُقدم ابن حزم رؤية واقعية وعميقة لطبيعة العمل العام ومن يتولاه. فمن يتصدر لخدمة الناس ويضع نفسه في موضع المسؤولية والقيادة، يجب عليه أن يتهيأ نفسيًا لتقبل الانتقاد والذم، وأن يعتبر جزءًا من عرضه - أي سمعته وشرفه - صدقةً يتنازل عنها للناس. هذا التنازل ليس ضعفًا، بل هو إدراك لحقيقة أن منصب الخدمة العامة يعرض صاحبه حتمًا لألسنة الناس، سواء بالمدح أو القدح.
السبب في ذلك، كما يرى ابن حزم، هو أن الإنسان في هذا الموقع، مهما أخلص واجتهد وبذل قصارى جهده ليل نهار في سبيل خدمة الصالح العام، فإنه لن يسلم من المذمة والانتقاد. ذلك لأن الناس يختلفون في آرائهم وتوقعاتهم ومصالحهم، وما يرضي فئة قد يغضب أخرى، وما يراه البعض صوابًا قد يراه آخرون خطأً. كما أن النفوس البشرية قد تحمل حقدًا أو حسدًا أو سوء ظن، مما يدفعها إلى الطعن في من يتصدر، حتى لو كان بريئًا.
لذلك، فإن نصيحة ابن حزم هي دعوة إلى الحصافة والحكمة لمن يتولى هذه المناصب؛ فعليه أن يمتلك جلدًا وصبرًا، وأن لا يجعل رضا الناس غايته القصوى، بل أن يركز على أداء الواجب بإخلاص ونزاهة، وأن يعتبر ما يصيبه من أذى في عرضه جزءًا من ضريبة الخدمة العامة، يتصدق به على الناس ليُخفف من أثرها على نفسه.