جوهر المقولة
تُقدِّمُ هذه المقولةُ نظرةً صوفيةً عميقةً للعلاقةِ بين الدنيا والآخرةِ، وتُحدِّدُ مفتاحَ كلٍّ منهما. الشبعُ هنا لا يعني مجردَ امتلاءِ البطنِ، بل يُشيرُ إلى الانغماسِ في ملذاتِ الدنيا وشهواتِها، والركونِ إلى الراحةِ الجسديةِ، والتعلقِ المفرطِ بالمادياتِ. فمن يسعى وراءَ هذا الشبعِ الدنيويِّ، ويجعلُهُ غايتَهُ، قد يجدُ فيهِ مفتاحًا لِما يُسمَّى النجاحَ أو السعادةَ في الحياةِ الدنيا، ولكنها سعادةٌ مؤقتةٌ وزائلةٌ.
أما الجوعُ، فهو رمزٌ للزهدِ والتقشفِ، والتحكمِ في النفسِ وشهواتِها، والتجردِ من التعلقِ بالدنيا. إنهُ حالةٌ من التخلِّي عن الفائضِ والاكتفاءِ بالضروريِّ، بل وتقليلِ الضروريِّ أحيانًا، بهدفِ تهذيبِ الروحِ وتنقيتِها. هذا الجوعُ، بمفهومهِ الروحيِّ، هو المفتاحُ للآخرةِ، لأنهُ يُحرِّرُ القلبَ من قيودِ الدنيا ويُقرِّبُهُ من اللهِ، ويفتحُ لهُ أبوابَ المعرفةِ الروحيةِ والنعيمِ الأبديِّ. تُبرزُ المقولةُ التناقضَ بين طريقينِ، وتُشجِّعُ على اختيارِ ما يُفضي إلى الفلاحِ الأخرويِّ وإنْ كانَ فيهِ شيءٌ من الكبدِ في الدنيا.