جوهر المقولة
تُعدُّ هذه المقولةُ من روائعِ الجاحظِ في فنِّ الجدلِ والمنطقِ، وتُسلّطُ الضوءَ على أهميةِ التمييزِ بين الظاهرِ والباطنِ في تقييمِ الأفكارِ والمعتقداتِ. فالجزءُ الأولُ منها "ليس كلُّ صامتٍ عن حجَّتِه مُبطلًا في اعتقادِه" يُبيّنُ أنَّ السكوتَ عن إبداءِ الحجةِ لا يعني بالضرورةِ أنَّ صاحبَها على باطلٍ أو أنَّ اعتقادَهُ خاطئٌ. فقد يكونُ الصمتُ نابعًا من حكمةٍ، أو انتظارٍ للوقتِ المناسبِ، أو عدمِ جدوى الكلامِ معَ مُخاطبٍ لا يفهمُ أو لا يُريدُ أن يفهمَ.
أمَّا الجزءُ الثانيُ "ولا كلُّ ناطقٍ بها لا برهانَ له مُحقًّا في انتحالِه" فيُحذّرُ من الانخداعِ بظاهرِ الكلامِ وفصاحةِ اللسانِ. فالشخصُ الذي يتكلّمُ كثيرًا ويدّعي الحقَّ، دونَ أن يُقدّمَ دليلًا أو برهانًا منطقيًّا يُساندُ دعواهُ، لا يُمكنُ اعتبارُهُ على حقٍّ لمجردِ كلامِهِ. تُؤكّدُ المقولةُ على أنَّ الحقيقةَ والصدقَ لا يُحدّدانِ بالصمتِ أو بالكلامِ، بل بقوةِ الحجةِ وسلامةِ البرهانِ.