حكمة
نص موثق
«

لماذا يغدو البشر نفسيًا أقل اكتفاءً ورضا، على الرغم من توفر متع الحياة المادية لهم بكميات تفوق ما كان عليه الحال سابقًا؟ ولماذا تتصاعد معدلات الانتحار والأمراض النفسية بالتوازي مع ارتفاع مستويات المعيشة والتعليم؟ وأخيرًا، لماذا لا يُترجم التقدم المادي والعلمي إلى مزيد من الإنسانية والرقي الأخلاقي؟

»
علي عزت بيغوفيتش العصر الحديث

جوهر المقولة

تطرح هذه الأسئلة الفلسفية العميقة تحديًا جوهريًا للمفهوم السائد للتقدم والسعادة في العصر الحديث. يتساءل بيغوفيتش عن المفارقة الواضحة بين التراكم المادي الهائل وتراجع الرضا النفسي، مشيرًا إلى أن الوفرة المادية وحدها لا تكفي لتحقيق الاكتفاء البشري، بل قد تُفضي إلى فراغ روحي أو شعور بالنقص.

السؤال الثاني يُعمّق هذه المفارقة بالربط بين ارتفاع مستويات المعيشة والتعليم من جهة، وتزايد حالات الانتحار والأمراض العقلية من جهة أخرى. هذا يُشير إلى أن التقدم في هذه المجالات، رغم أهميته، قد لا يُعالج الجوانب الوجودية والنفسية العميقة للإنسان، بل قد يُنتج ضغوطًا جديدة أو يُفقد الفرد إحساسه بالمعنى والانتماء في عالم مُعقد ومتسارع.

أما السؤال الثالث والأخير فيُعد نقدًا صريحًا لمسار الحضارة الحديثة؛ فهو يتساءل عن سبب انفصال التقدم المادي والعلمي عن التطور الإنساني والأخلاقي. يُلمح بيغوفيتش هنا إلى أن التقدم الحقيقي لا يكتمل إلا إذا صاحبه رقي في القيم الإنسانية، وتعميق للشعور بالتعاطف والتضامن والعدالة، وإلا ظل تقدمًا أجوفًا قد يُهدد جوهر الإنسانية نفسها.