حكمة
نص موثق
«

لطالما كان القانون هو درع الضعيف في مواجهة جبروت القوي، تماماً كما أن حرية الرأي والعقيدة هي في جوهرها حق المرء في اعتناق آراء ومعتقدات تخالف السائد. أما القانون الذي يمنح المواطن «حق» التصفيق والتمجيد للسلطة الحاكمة، فليس قانوناً بحال، بل هو محض «مهزلة». إن معيار الشرعية لأي نظام اجتماعي يكمن في كيفية معاملته للمعارضين والأقليات. فسلطة القوي حقيقة لا مراء فيها، أما القانون فليس كذلك؛ إذ يبدأ القانون حيث تتوقف حدود هذه السلطة، وحيث يتبنى موقف الضعيف عوضاً عن مصلحة القوي. ولهذا السبب تسعى الشعوب جاهدة لإقرار الدساتير، بينما يسعى كل حاكم مستبد للتخلص منها.

»

جوهر المقولة

هذه المقولة الفلسفية العميقة لبيجوفيتش تفكك جوهر القانون والسلطة في المجتمعات البشرية. يرى بيجوفيتش أن الوظيفة الأساسية للقانون ليست ترسيخ سلطة القوي، بل على العكس تماماً، هي حماية الضعيف وتوفير التوازن في وجه القوة الغاشمة. القانون الحقيقي هو الذي يضمن حرية التعبير والاختلاف، ويحمي الأقليات والمعارضين، لأن هذه الحريات هي جوهر الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

يفرق بيجوفيتش بحدة بين "القانون" و"المسخرة"؛ فالقانون الذي يفرض الطاعة العمياء والتمجيد للسلطة هو تشويه لمفهوم العدالة، ويتحول إلى أداة للقمع لا للإنصاف. إن الاختبار الحقيقي لشرعية أي نظام يكمن في مدى قدرته على احتواء الاختلاف ومعاملة المعارضين بإنصاف، لا في قمعهم أو تهميشهم.

الفكرة المحورية هي أن سلطة القوي هي حقيقة طبيعية قديمة قدم البشرية، ولكن القانون يأتي ليضع حداً لهذه السلطة المطلقة، ليصبح صوتاً للضعيف وحامياً لمصالحه. هذا هو السبب في أن الشعوب تناضل من أجل الدساتير التي تحد من سلطة الحكام وتضمن حقوق الأفراد، بينما يسعى الحكام المستبدون إلى إفراغ الدساتير من مضمونها أو إلغائها لتبقى سلطتهم مطلقة بلا قيود. إنها دعوة للعدالة الجوهرية التي تتجاوز المصالح الضيقة وتتجه نحو حماية كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.