حكمة
نص موثق
«

لقد تاب على يديَّ في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم على يديَّ أكثر من مائتي نفس. وكم سالت عين متجبرٍ بوعظي لم تكن تسيل. ولقد جلستُ يوماً فرأيتُ حولي أكثر من عشرة آلاف، ما فيهم إلا من قد رقَّ قلبه أو دمعت عينه. فقلتُ لنفسي: كيف بكِ إن نجوا وهلكتِ؟ فصحتُ بلسان وجدي: إلهي وسيدي، إن قضيتَ عليَّ بالعذاب غداً، فلا تُعلِمْهم بعذابي؛ صيانةً لكرمك، لا لأجلي؛ لئلا يقولوا: عُذِّبَ من دلَّ عليه.

»
ابن الجوزي العصر العباسي المتأخر

جوهر المقولة

يُقدم ابن الجوزي في هذا النص البليغ صورة مُذهلة لتواضعه الجم وإخلاصه العميق، على الرغم من عِظم إنجازاته الدعوية. فهو يذكر كيف هدى الله على يديه آلافاً للتوبة والإسلام، وكيف رقّت قلوب الجبابرة بوعظه، وشهد مجالس الذكر التي امتلأت بالآلاف من المتأثرين.

لكن هذا النجاح الباهر لم يُورثه غروراً، بل دفعه إلى محاسبة النفس والتخوف من سوء العاقبة. ففي لحظة تجلٍّ روحاني، يتساءل عن مصيره إن نجا هؤلاء وهلك هو، فيُطلق دعاءً مؤثراً ينمّ عن قمة الإخلاص والتفاني في حب الله. فهو لا يطلب النجاة لنفسه فحسب، بل يطلب من الله، إن قضى عليه بالعذاب، أن يُخفيه عن أعين من هداهم. والسبب في ذلك ليس صيانة لسمعته أو مكانته الشخصية، بل صيانةً لكرم الله وعظمته، خشية أن يُشكك الناس في طريق الحق الذي دلهم عليه، إذا رأوا أن من دلهم عليه قد عُذّب. هذا الموقف يُظهر أن غاية ابن الجوزي لم تكن ذاتية، بل كانت مُنصبّة على تعظيم شأن الله ودينه، وهو ما يُعد أسمى مراتب العبودية والإخلاص.