حكمة
نص موثق
«

لا يدركُ الحكمةَ مَن عمرُه … يكدحُ في مصلحةِ الأهلِ
ولا ينالُ العلمَ إلا فتىً … خالٍ من الأفكارِ والشغلِ
لو أن لقمانَ الحكيمَ الذي … سارَتْ به الركبانُ بالفضلِ
بُلي بفقرٍ وعيالٍ لما … فرَّقَ بين التَّبْنِ والبقَلِ

»
الشافعي العصر العباسي

جوهر المقولة

يُقدِّمُ الإمامُ الشافعيُّ في هذه الأبياتِ رؤيةً واقعيةً ومؤلمةً حولَ الشروطِ اللازمةِ لتحصيلِ الحكمةِ والعلمِ. فهو يرى أنَّ الانشغالَ الدائمَ بمطالبِ الحياةِ اليوميةِ، وتحديدًا الكدحَ من أجلِ الأهلِ والعيالِ، يُعيقُ المرءَ عن التفرغِ الفكريِّ والذهنيِّ اللازمِ للتعمقِ في دروبِ الحكمةِ والمعرفةِ.

فالعلمُ والحكمةُ يتطلبانِ صفاءَ ذهنٍ، وخلوًّا من الشواغلِ التي تُشتتُ الفكرَ وتُبدِّدُ الطاقةَ. ويُضربُ الشافعيُّ مثلًا بلقمانَ الحكيمِ، وهو رمزٌ للحكمةِ الفائقةِ، ليوضحَ أنَّ حتى أعظمَ الحكماءِ لو ابتُليَ بالفقرِ وكثرةِ العيالِ، لَما استطاعَ أن يُميِّزَ بين التافهِ والنفيسِ (التبن والبقل)، كنايةً عن غيابِ القدرةِ على التمييزِ والتدبرِ في الأمورِ العميقةِ. هذه الأبياتُ لا تُقلِّلُ من شأنِ رعايةِ الأهلِ، بل تُسلِّطُ الضوءَ على التضحياتِ الجسيمةِ التي يفرضُها السعيُ وراءَ العلمِ والحكمةِ، وتُشيرُ إلى أنَّ الظروفَ الماديةَ والاجتماعيةَ قد تكونُ عائقًا كبيرًا أمامَ بلوغِ المراتبِ العليا من الفهمِ والإدراكِ.