الروحانيات والعقيدة
نص موثق
«

لا تظننَّ أنَّ نفسك هي التي قادتكَ إلى فعلِ الخيراتِ، بل اعلمْ أنكَ عبدٌ أحبَّكَ اللهُ، فلا تُفرِّطْ في هذه المحبةِ فينساكَ.

»
ابن القيم العصر المملوكي

جوهر المقولة

تُشيرُ هذه المقولةُ العميقةُ إلى جوهرِ التوحيدِ وكمالِ التواضعِ أمامَ الخالقِ. إنها تُحذّرُ من آفةِ العُجبِ بالنفسِ والاعتدادِ بالذاتِ في سياقِ الطاعاتِ والخيراتِ، مُبيّنةً أنَّ كلَّ فعلٍ حسنٍ يصدرُ من العبدِ هو في حقيقتِهِ توفيقٌ ومنَّةٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، وليسَ نابعًا بالأساسِ من قوةِ العبدِ أو حولِهِ.

فلسفيًّا، تُرسّخُ المقولةُ مبدأَ العبوديةِ المحضةِ للهِ، حيثُ يُصبحُ العبدُ مُدركًا أنَّ وجودَهُ وقدرتَهُ على فعلِ الخيرِ هما ثمرةٌ لمحبَّةِ اللهِ لهُ واصطفائِهِ إياه. هذا الإدراكُ يُولّدُ الشكرَ والامتنانَ، ويُبعدُ العبدَ عن الغرورِ الذي قد يُفضي إلى نسيانِ مصدرِ النعمِ. والتحذيرُ من التفريطِ في هذه المحبةِ الإلهيةِ "فينساكَ" ليسَ نسيانًا بمعنى الغفلةِ، بل هو كنايةٌ عن حرمانِ العبدِ من التوفيقِ والرعايةِ الإلهيةِ، وهو ما يُعدُّ أشدَّ أنواعِ الخسرانِ في المنظورِ الروحانيِّ.