أخلاقي
نص موثق
«

لا تجالس الحمقى، فإنه يعلق بك من مجالستهم في يومٍ واحدٍ من الفساد ما يعلق بك من مجالسة العقلاء في دهرٍ من الصلاح، فإن الفساد أشد التحامًا بالطبائع.

»
الجاحظ عباسي

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة نصيحة حكيمة وعميقة في فن اختيار الصُحبة، وتُسلط الضوء على التأثير السلبي للمخالطة السيئة مقارنة بالتأثير الإيجابي للمخالطة الحسنة. يرى الجاحظ أن تأثير الحمقى على النفس أسرع وأعمق وأكثر رسوخًا من تأثير العقلاء.

فالطبائع البشرية، بحكم تكوينها، تميل إلى الانجذاب نحو السهل والمُتفلّت، وتُقاوم ما يتطلب جهدًا وانضباطًا. الفساد، بمظاهره المختلفة من سوء الخلق وضيق الأفق والجهل، يجد أرضًا خصبة في النفس البشرية لأنه يتوافق مع جوانب الضعف والقصور فيها. بينما الصلاح، الذي يتطلب تهذيبًا وتفكيرًا عميقًا ومجاهدة للنفس، يحتاج إلى وقت أطول وجهد أكبر ليترسخ. لذا، فإن يومًا واحدًا في صحبة الحمقى قد يُفسد من الأخلاق والطباع ما لا يُصلحه دهرٌ في صحبة الحكماء، لأن الفساد يلتصق بالنفوس التصاقًا شديدًا، وكأنه يجد فيها موطنًا أصليًا له، بينما الصلاح يتطلب غرسًا ورعاية مستمرة.