جوهر المقولة
تُعدُّ هذه المقولةُ لسيد قطب بيانًا فلسفيًّا وسياسيًّا قويًّا، يُسلِّطُ الضوءَ على التناقضِ الجوهريِّ بينَ الإيمانِ باللهِ والشهادةِ بوحدانيتِهِ، وبينَ الخضوعِ والرضا بحكمِ الظلمِ والطغيانِ. السؤالُ هنا ليسَ استفهامًا حقيقيًّا بقدرِ ما هو إنكارٌ واستنكارٌ، يُرادُ به تأكيدُ أنَّ هذا الفعلَ (كتابةُ حرفٍ يُقرُّ حكمَ طاغيةٍ) يتنافى جوهريًّا مع قدسيةِ الشهادتينِ.
الفلسفةُ الكامنةُ وراءَ المقولةِ هي أنَّ الإصبعَ الذي يرتفعُ بالشهادتينِ يُصبحُ رمزًا للالتزامِ العقديِّ والأخلاقيِّ. هذا الالتزامُ يُحتِّمُ على المؤمنِ أن يكونَ شاهدًا للحقِّ، رافضًا للباطلِ، ومقاومًا للظلمِ. فكيفَ لهذا الرمزِ المقدسِ أن يُستخدَمَ في تأييدِ مَن يُخالفُ شرعَ اللهِ ويُمارسُ الظلمَ على عبادِهِ؟ إنها دعوةٌ إلى التحرُّرِ من الخوفِ والتبعيةِ، وإلى التمسُّكِ بالكرامةِ الإنسانيةِ والعدلِ، حتى لو كانَ الثمنُ باهظًا. تُبرزُ المقولةُ الصراعَ الأزليَّ بينَ الضميرِ الحيِّ الذي يستمدُّ قوتَهُ من الإيمانِ، وبينَ الإكراهِ السياسيِّ الذي يسعى لقمعِ الحرياتِ وتشويهِ الحقائقِ.