حكمة
نص موثق
«

حضرتُ ذات يومٍ مجلسًا ضمَّ نخبةً من رجال الدين، وقد أجمع هؤلاء الأفاضل أثناء حديثهم على أن سكان الأرض قاطبةً مُلزمون بالبحث عن الدين الصحيح، فإذا عثروا عليه وجب عليهم اعتناقه فورًا. فكل إنسان في نظرهم مُجبرٌ على ترك أعماله والتجوال في الأرض سائحًا لطلب الدين الحق. فسألتهم: “لِمَ لم تسيروا أنتم في الأرض سعيًا وراء الحق؟!” فأجابوا وهم في دهشةٍ من هذا السؤال الذي عدّوه سخيفًا: “إننا لا نحتاج إلى السعي وراء الحق لأن الحق عندنا!” إنهم يتخيلون أنهم وحدهم أصحاب الحق دون سائر الناس، ونسوا أن كل صاحب دين يؤمن بعقيدته إيمانهم هم بعقيدتهم، فأينما اتجهتَ في أرجاء المعمورة وجدتَ الناس فرحين بعقائدهم مطمئنين إليها، ويرغبون من الأمم الأخرى أن تفدَ إليهم لتأخذ منهم دين الحق الذي لا حقَّ سواه.

»
علي الوردي معاصر

جوهر المقولة

تُبرز هذه المقولة نقدًا عميقًا للتعصب الفكري والديني، وتُسلط الضوء على الميل البشري لاعتقاد الفرد أو الجماعة بامتلاك الحقيقة المطلقة دون سواهم. يُشير الوردي إلى المفارقة الساخرة في مطالبة الآخرين بالبحث عن الحقيقة بينما يدّعي المطالِبون أنهم قد حازوها بالفعل، مما يكشف عن نوع من الغطرسة الفكرية والروحية.

إنها دعوة للتأمل في طبيعة الإيمان البشري، وكيف أن كل جماعة أو فرد يرى الحق في معتقده الخاص، ويُسقط هذا الاعتقاد على الآخرين، متجاهلاً التعددية المعرفية والروحية للعالم. تُبيّن المقولة أن السعي وراء الحق هو مسار شخصي ومستمر، ولا يمكن لأحد أن يدّعي احتكاره، فالحقيقة غالبًا ما تكون أوسع من أن تُحصر في قالب واحد أو تُنسب إلى جماعة بعينها.