حكمة
نص موثق
«

في غيبة الحرية، تسود القيم الوثنية، وتمتد القداسة والحصانة لسادتنا وكبرائنا وما وجدنا عليه آباءنا.

»
فهمي هويدي العصر الحديث

جوهر المقولة

ينتقد هذا القول العميق لفهمي هويدي الركود المجتمعي والفكري الذي ينشأ عن غياب الحرية. فهو يرى أنه عندما تُقمع الحرية، تميل المجتمعات إلى العودة إلى "القيم الوثنية" وتقديس السلطة والتقاليد دون تمحيص.

"في غيبة الحرية، تسود القيم الوثنية": لا يشير مصطلح "القيم الوثنية" هنا بالضرورة إلى الشرك بمعناه الحرفي، بل إلى عقلية تتسم بالطاعة العمياء، والخرافة، وغياب التساؤل النقدي. ففي غياب حرية الفكر والتعبير والمعارضة، يصبح الناس عرضة لقبول الروايات وهياكل السلطة دون تساؤل، تمامًا مثل المجتمعات القديمة التي نسبت السلطة الإلهية للحكام أو الظواهر الطبيعية دون تدقيق عقلاني. وهذا يعني تراجعًا عن الفكر المستنير إلى حالة يكون فيها العقل خاضعًا للعقيدة والخوف.

"وتمتد القداسة والحصانة لسادتنا وكبرائنا": يتناول هذا الجزء مباشرة تقديس القادة السياسيين والاجتماعيين. فعندما تغيب الحرية، غالبًا ما يُمنح الحكام والشخصيات القوية هالة من العصمة والحصانة من النقد أو المساءلة. هذه "القداسة" و"الحصانة" هي آليات لإدامة سلطتهم، ومنع أي تحدٍ لسلطتهم. إنها تحول القيادة من مسؤولية إلى حق غير قابل للتشكيك، يكاد يكون إلهيًا.

"وما وجدنا عليه آباءنا": يشير هذا إلى التمسك غير النقدي بالتقاليد والمعتقدات الموروثة. ففي المجتمعات التي تفتقر إلى الحرية، هناك ميل قوي للتشبث بـ "ما وجدنا عليه آباءنا"، أي العادات والمعتقدات والممارسات الموروثة، دون إخضاعها للفحص العقلاني أو الإصلاح. وهذا يخنق الابتكار والتقدم والتطور الفكري، مما يخلق مجتمعًا جامدًا يقاوم التغيير والتحسين.

فلسفيًا، يرى هويدي أن الحرية ليست مجرد حق سياسي، بل هي شرط أساسي لازدهار الفكر والمجتمع. فبدونها، تقع المجتمعات في أنماط الاستبداد، والركود الفكري، وإدامة الممارسات القديمة أو الضارة تحت ستار التقاليد أو التفويض الإلهي. إنها دعوة للتفكير النقدي، والمساءلة، والشجاعة لتحدي الأعراف والسلطات القائمة من أجل التقدم الحقيقي والكرامة الإنسانية.