حكمة
نص موثق
«

تذكرت كلمات جدتي حينما اصطحبتني إلى مدفن جدي للمرة الأولى. وقفتُ أمام السور الفاصل بين المقابر والطريق الرئيسي، وقالت: “سورٌ واحدٌ يفصلنا عنهم؛ بين عتمةٍ أبديةٍ حتى إشعارٍ آخر، وبين مزيجٍ من العتمة والضوء. الأحياء لا يتفقون على الحياة؛ فقد تجد شخصًا يطلب من الله عمرًا مديدًا، والآخر يتمنى الموت الآن. هناك فرقٌ بينهم، لكن حينما تتساوى المقامات ويعانق الموت الجميع، تصبح الحياة أمنيةً لن تتحقق. صدقني، لا أحد خلف هذا السور إلا ويتمنى العودة إليها، حتى الذي ينعم في قبره يتمنى الخروج من هذه العتمة لفعل مزيدٍ من الخير لينعم أكثر فأكثر”.

»
محمد طارق العصر الحديث

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة تأملاً فلسفيًا عميقًا في الحياة والموت، وتُبرز الفارق الدقيق والحد الفاصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات. السور المادي يصبح رمزًا للحد الفاصل بين الوجود الفاني والغياب الأبدي، لكنه في الحقيقة لا يفصل بين الرغبات الإنسانية الجوهرية.

تُظهر المقولة تناقضًا صارخًا في نظرة الأحياء للحياة؛ فبينما يتمسك البعض بها، يتمنى آخرون الخلاص منها. لكن هذا التناقض يتلاشى تمامًا أمام حتمية الموت، حيث تتساوى المقامات وتتوحد الرغبات. فالحياة، بكل ما فيها من تحديات وأفراح، تصبح أمنيةً عزيزةً لا تُقدر بثمن لمن فقدها، حتى لو كان في نعيم. وهذا يؤكد على القيمة المطلقة للحياة كفرصة للعمل الصالح، وأن الرغبة في فعل الخير لا تنتهي حتى بعد الموت، بل تزداد إلحاحًا لمن أدرك فوات الأوان.