حكمة
نص موثق
«

عندما تتوالى المصائب وتتراكم، فإن بعضها يطغى على بعض، وعندئذٍ تحلّ بالنفس سعادةٌ جنونيةٌ غريبةُ المذاق، ويغدو المرء قادرًا على الضحك من قلبٍ قد تخلى عن الخوف.

»
نجيب محفوظ العصر الحديث

جوهر المقولة

تُصوّر هذه المقولة حالة نفسية فريدة وعميقة تنشأ في أقصى درجات الشدة والمعاناة. يرى نجيب محفوظ أن تراكم المصائب وتوالي الكوارث قد يصل بالإنسان إلى نقطة تحوّل وجودية، حيث تتجاوز قدرته على الاستيعاب أو التأثر السلبي. في هذه اللحظة، لا تعود المصائب المتتالية تثير الألم بذات القدر، بل كأنها تلغي بعضها بعضًا في تأثيرها المدمر.

هذا التجاوز للحد الأقصى من الألم يولد رد فعل نفسي غير متوقع: "سعادة جنونية غريبة المذاق". هذه السعادة ليست نابعة من غياب الألم، بل من تجاوزه والتحرر من سطوته. إنها سعادة اليأس الذي بلغ منتهاه وتحول إلى نوع من اللامبالاة الشجاعة، أو ربما هي إدراك أن الأسوأ قد حدث بالفعل، فلا شيء بعده يستطيع أن يزيد من الخوف. يصبح القلب "لا يعرف الخوف" لأنه قد اختبر كل ما يمكن أن يخافه، وتجاوز عتبة الألم، فبات محصنًا ضد مخاوف جديدة، قادرًا على الضحك حتى في أحلك الظروف، ضحكة ليست للفرح بل للتحدي والتحرر من قيود الوجع.