جوهر المقولة
يُقدم شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المقولة إجابة بليغة وعميقة على سؤال جوهري في التربية الروحية، مُستخدماً تشبيهاً حسياً لتوضيح الفارق بين فائدة التسبيح والاستغفار بناءً على حال العبد.
يبدأ ابن تيمية بتشبيه الثوب: "إذا كان الثوب نقياً فالبخور وماء الورد أنفع له". هذا يُشير إلى حال "الأصفياء"، وهم الذين طهرت قلوبهم من الذنوب الكبيرة، واجتهدوا في الطاعات. فقلوبهم النقية لا تحتاج إلى تطهير أساسي، بل تحتاج إلى تجميل وتطييب ورفع منزلة. فالتسبيح (تمجيد الله وتنزيهه عن كل نقص) يُصبح لهم بمثابة البخور وماء الورد؛ يُضيف إلى نقائهم بهاءً، ويُعطر أرواحهم، ويُزيدهم قرباً من الله ورفعة في الدرجات، فهو تعبير عن الشكر والثناء والاعتراف بعظمة الخالق.
أما الشق الثاني من التشبيه فهو: "وإذا كان دَنِساً فالصابون والماء الحار أنفع له". هذا يُشير إلى حال "العصاة"، وهم الذين تلوثت قلوبهم بالذنوب والخطايا. فقلوبهم تحتاج إلى تطهير أساسي وجذري. فالاستغفار (طلب المغفرة من الله والتوبة إليه) يُصبح لهم بمثابة الصابون والماء الحار؛ يُزيل أدران الذنوب، ويُطهر القلب، ويُعيد الروح إلى نقائها الفطري. إنه وسيلة للتوبة والندم والعودة إلى الله، ومحو آثار المعاصي.
ويُختتم الجواب بالخلاصة الجامعة: "فالتسبيح بخور الأصفياء، والاستغفار صابون العصاة". هذه المقولة تُبرز حكمة الشريعة الإسلامية في مراعاتها لأحوال الناس المختلفة، وتُقدم دليلاً عملياً على أن العبادات ليست جامدة، بل تتناسب مع حاجة العبد وحالته الروحية. فكلاهما نافع، ولكن نفعهما يختلف باختلاف المقام، فلكل داء دواء، ولكل حال ما يُناسبه من العبادة.