حكمة
نص موثق
«

جوهرُ كونِ المرءِ إنسانًا يكمنُ في ألا يسعى إلى الكمالِ المطلقِ، وأن يكونَ مستعدًا أحيانًا لارتكابِ الأخطاءِ من أجلِ الوفاءِ، وألا يبلغَ في زهدهِ حدًّا يجعلُ التواصلَ الوديَّ مستحيلًا. وأن يكونَ المرءُ مستعدًا في نهايةِ المطافِ لأن يُهزمَ ويُحكَمَ عليهِ من الحياةِ، وهو الثمنُ الحتميُّ لتثبيتِ حبهِ لأفرادٍ بشريينَ آخرينَ. بلا شكٍّ، إن الكحولَ والتبغَ وما شابههما أمورٌ يتوجبُ على القديسِ تجنبُها، ولكنَّ القدسيةَ ذاتَها شيءٌ على البشرِ تجنبهُ أيضًا.

»
جورج أورويل العصر الحديث

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة العميقة لجورج أورويل رؤية فلسفية ثاقبة حول جوهر الوجود الإنساني، وتتحدى المفاهيم التقليدية للكمال والقداسة. يرى أورويل أن الإنسانية الحقيقية لا تكمن في السعي المحموم نحو الكمال المطلق، بل في احتضان النقص والضعف الذي يميز البشر.

إنه يؤكد أن كون المرء إنسانًا يتطلب أحيانًا الاستعداد لارتكاب الأخطاء أو "الذنوب" من أجل الحفاظ على الوفاء للآخرين، مما يشير إلى أن العلاقات الإنسانية الحقيقية غالبًا ما تتطلب تنازلات وتجاوزًا للمثاليات الصارمة. كما يحذر من الزهد المفرط الذي يؤدي إلى العزلة ويجعل التواصل الودي مستحيلًا، فالعلاقات البشرية تتطلب تفاعلًا وتسامحًا مع العيوب.

ويُشير أورويل إلى أن الاستعداد للهزيمة والحكم من قبل الحياة هو الثمن الحتمي للحب الحقيقي للآخرين، مما يعني أن الانفتاح على الحب يجعل المرء عرضة للألم والخسارة، وهذه هي طبيعة الوجود البشري. وفي ختام مقولته، ينتقد مفهوم "القدسية" أو المثالية المبالغ فيها، معتبرًا أنها قد تُبعد الإنسان عن حقيقته وتجاربه المعقدة، فالبشر ليسوا قديسين، والبحث عن القدسية المطلقة قد يحرمهم من جوهر إنسانيتهم المتجلي في تفاعلاتهم وتناقضاتهم.