فلسفة وحكمة
نص موثق
«

تمشى الباطل يوماً مع الحق، فقال الباطل: أنا أعلى منك رأساً. فأجابه الحق: أنا أثبت منك قدماً. قال الباطل: أنا أقوى منك. فرد الحق: أنا أبقى منك. فقال الباطل: أنا معي الأقوياء والمترفون. فأجاب الحق مستشهداً بالقرآن الكريم: “وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون”. فقال الباطل: أستطيع أن أقتلك الآن. فأجابه الحق بثقة: ولكن أولادي سيقتلونك ولو بعد حين.

»
مصطفى السباعي العصر الحديث

جوهر المقولة

هذه المحاورة الرمزية التي صاغها مصطفى السباعي تجسد الصراع الأزلي بين الحق والباطل، وتكشف عن طبيعة كل منهما. يُمثل الباطل هنا القوة الظاهرية والمؤقتة، فيتباهى بعلو الرأس الذي قد يُشير إلى السطوة أو الانتشار المؤقت، وبقوته المادية، وبمساندة الأقوياء والمترفين الذين غالباً ما يستفيدون من ظلمه.

أما الحق، فيُجيب بمنطق الثبات والبقاء والعمق. فهو أثبت قدماً لأنه راسخٌ في الحقيقة والعدل، وأبقى لأنه لا يزول بزوال الأفراد أو تغير الظروف. استشهاد الحق بالآية الكريمة يُعري حقيقة من يقف مع الباطل، فهم أكابر المجرمين الذين يمكرون، لكن مكرهم يعود عليهم بالضرر في النهاية. وهذا يُشير إلى أن القوة الظاهرية للباطل غالباً ما تكون مدعومة بالشر والفساد.

تُختتم المحاورة بتأكيد الحق على أن قتله جسدياً لا يعني فناءه، فـ"أولاده"، أي مبادئه وأفكاره وأنصاره، سيُواصلون الكفاح حتى يُسقطوا الباطل في نهاية المطاف. هذا يُبرز أن الحق فكرةٌ خالدةٌ تتجدد وتنتقل عبر الأجيال، وأن انتصاره حتميٌّ وإن طال الأمد.