وعظ ديني
نص موثق
«

تأمّل الآن ما يعتريك من الفزع في فؤادك إذا أبصرت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كُلِّفت أن تمشي على الصراط، مع ضعف حالك واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار التي تمنعك من المشي على بساط الأرض، فضلًا عن حدة الصراط. فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدته واضطررت إلى أن ترفع قدمك الأخرى، والخلائق بين يديك يزلّون ويتعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف يُنكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلو أرجلهم؟ فيا له من منظرٍ ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه، ومجال ما أضيقه! فاللهم سلِّم سلِّم.

»
القرطبي العصور الوسطى

جوهر المقولة

هذه المقولة هي وصف بليغ ومؤثر لأهوال يوم القيامة، وبالتحديد لمرحلة عبور الصراط، وهي جزء من أدب الوعظ والتذكير بالآخرة في التراث الإسلامي.

يهدف القرطبي من خلال هذا الوصف التفصيلي إلى إيقاظ القلوب وتنبيه النفوس إلى خطورة هذه المرحلة المصيرية. يبدأ بتصوير الصراط بدقته المذهلة، ثم يربط ذلك بالهاوية السحيقة لجهنم تحته، مما يثير الرعب في النفس.

يستثير القرطبي الحواس كلها: البصر (رؤية الصراط وجهنم)، السمع (شهيق النار وتغيظها)، والشعور الداخلي (الفزع، اضطراب القلب، تزلزل القدم).

يبرز ثقل الأوزار (الذنوب) كعائق حقيقي يمنع الإنسان من الثبات والمشي، حتى على الأرض المستوية، فكيف بالصراط الحاد والدقيق؟ هذا يربط بين أعمال الدنيا ونتائجها في الآخرة.

المشهد الجماعي للخلائق وهي تتساقط وتُجذب إلى النار يزيد من هول الموقف، ويجعل القارئ يتخيل نفسه في هذا الموقف العصيب، مما يعمق الشعور بالضعف والحاجة إلى رحمة الله.

الختام بالدعاء "فاللهم سلم سلم" هو استغاثة وتضرع لله بالنجاة والسلامة، وهو جوهر الوعظ الذي يدعو إلى التوبة والاستعداد ليوم الحساب. المقولة تهدف إلى تحفيز الخوف من الله (الخشية) الذي يدفع إلى العمل الصالح والابتعاد عن المعاصي.