حكمة
نص موثق
«

المرء إن كان عاقلاً ورعاً، شغله ورعه عن عيوب غيره، كما يشغل العليل السقيم وجعه عن أوجاع الناس أجمعين.

»
الشافعي العصر العباسي

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة الحكيمة من الإمام الشافعي رؤية عميقة في تهذيب النفس والسمو الأخلاقي، مُستعرضةً حالتين تُشغلان الإنسان عن عيوب الآخرين. الحالة الأولى هي حالة العاقل الورع، الذي يدفعه عقله وورعه إلى الانشغال بذاته وإصلاحها.

الورع هنا ليس مجرد خوف من الله، بل هو حالة من اليقظة الروحية الدائمة، والتدقيق في الأفعال والأقوال، والسعي المتواصل لتزكية النفس وتطهيرها من الشوائب. هذا الانشغال العميق بالذات، ومحاسبتها على كل صغيرة وكبيرة، لا يترك مجالاً للعاقل الورع للالتفات إلى عيوب الآخرين أو تتبع زلاتهم. فكل طاقته وجهده موجهان نحو كماله الروحي والأخلاقي.

يُعزز الشافعي هذه الفكرة بمثال بليغ من الواقع: العليل السقيم. فالشخص الذي يُعاني من ألم شديد أو مرض عضال، يكون وجعه الخاص هو شغله الشاغل. هذا الألم يستهلك كل تفكيره وطاقته، فلا يجد متسعاً للانشغال بآلام الآخرين أو مشاكلهم، مهما كانت كبيرة. هذا التشبيه يُبرز مدى استغراق الورع في إصلاح ذاته، وكيف أن همومه الروحية تُشغله عن هموم الآخرين الدنيوية.

تُعدّ المقولة دعوة إلى التواضع، والابتعاد عن الغيبة والنميمة، والتركيز على الإصلاح الذاتي. إنها تُشير إلى أن الانشغال بعيوب الناس غالباً ما يكون دليلاً على فراغ روحي أو غفلة عن عيوب الذات، بينما الورع الحقيقي يدفع صاحبه إلى الانكباب على نفسه، والعمل على تهذيبها، مما يُضفي عليه سكينة وطمأنينة ويُبعده عن التدخل فيما لا يعنيه.