حكمة
نص موثق
«

كان الفرزدقُ زيرَ نساءٍ، ومع ذلك لا نجدُ له فيهنَّ بيتَ شعرٍ واحدًا، بينما كان جريرٌ عفيفًا لم يعشق امرأةً قط، فمات وهو أغزلُ الناسِ شعرًا. الأمرُ برمَّتِه مجردُ لونٍ أدبيٍّ يروقُ لهم، ويجدونَ أنفسهم فيه.

»
الجاحظ العصر العباسي

جوهر المقولة

يُقدِّمُ الجاحظُ هنا ملاحظةً فلسفيةً عميقةً حولَ طبيعةِ الإبداعِ الأدبيِّ، مُستشهدًا بشاعرينِ كبيرينِ من العصرِ الأمويِّ، الفرزدقِ وجريرٍ. يُبيِّنُ أنَّ التجربةَ الشخصيةَ المباشرةَ ليستْ بالضرورةِ هي المحركَ الوحيدَ أو الأوحدَ للإبداعِ.

فالفرزدقُ، رغمَ علاقاتِه المتعددةِ بالنساء، لم يُنتجْ شعرًا غزليًّا يُذكرُ، بينما جريرٌ، الذي عُرفَ بعفَّتِه، كانَ فارسَ الغزلِ وشاعرَه الأبرزَ. يُشيرُ الجاحظُ إلى أنَّ الإبداعَ قد يكونُ نابعًا من الموهبةِ الفطريةِ، أو من التخيُّلِ، أو من اختيارِ لونٍ أدبيٍّ مُعيَّنٍ يُتقنُه الشاعرُ ويجدُ نفسَه فيه، بغضِّ النظرِ عن مدى تطابقِه معَ واقعِه الشخصيِّ. هذه المقولةُ تُسلِّطُ الضوءَ على استقلاليةِ الفنِّ عن التجربةِ الحياتيةِ المباشرةِ، وتُؤكِّدُ على دورِ الموهبةِ والاختيارِ الفنيِّ.