حكمة
نص موثق
«

إن الصبر عن الشهوة أيسر من الصبر على ما تُوجبه الشهوة؛ فإنها إما أن تُورث ألماً وعقوبةً، وإما أن تحرم لذةً أكمل منها، وإما أن تُبدد وقتاً إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تُثلم عرضاً حفظه أنفع للعبد من خدشه، وإما أن تُذهب مالاً بقاؤه خير له من زواله، وإما أن تُنقص قدراً وجاهاً بقاؤهما خير من ذهابهما، وإما أن تسلب نعمةً بقاؤها ألذ وأطيب من إشباع الشهوة، وإما أن تُمهد لوضيع إليك سبيلاً لم يكن ليجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يُقارب لذة الشهوة، وإما أن تُنسي علماً تذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تُشمت عدواً أو تُحزن ولياً، وإما أن تقطع الطريق على نعمةٍ مقبلة، وإما أن تُحدث عيباً يبقى صفةً لا تزول؛ فإن الأعمال تُورث الصفات والأخلاق.

»
ابن تيمية العصور الوسطى الإسلامية

جوهر المقولة

يُقدم ابن تيمية في هذه المقولة تحليلاً عميقاً وفلسفياً للعواقب الوخيمة التي تترتب على الانغماس في الشهوات، مؤكداً أن ضبط النفس والامتناع عن الشهوة أيسر وأكثر حكمة من تحمل تبعاتها. يرى أن الشهوة ليست مجرد لذة عابرة، بل هي طريق مُعبّد بالمخاطر والأضرار التي تفوق بكثير أي متعة مؤقتة قد تجلبها.

يُفصل ابن تيمية هذه الأضرار في عدة نقاط: فهي قد تُفضي إلى الألم والعقوبة في الدنيا والآخرة، وتُحرم الإنسان من لذات أسمى وأبقى. كما أنها تُبدد الأوقات الثمينة في ما لا ينفع، وتُسبب الحسرة والندامة. وتُعتبر الشهوة أيضاً سبباً في خدش العرض والشرف، وإهدار المال، وإنقاص القدر والجاه، وزوال النعم التي بقاؤها خير للإنسان. وقد تُفتح الأبواب للضعفاء والأدنياء للتحكم في المرء، وتجلب الهموم والأحزان التي لا تُقارن بلذة الشهوة الزائلة. وتُنسي الإنسان العلم النافع، وتُفرح الأعداء وتُحزن الأصدقاء، وتُعيق وصول النعم المستقبلية. وفي النهاية، تُحدث الشهوة عيوباً راسخة في النفس لا تزول بسهولة، لأن الأفعال تُورث الصفات وتُشكل الأخلاق. هذا التحليل يُبرز أن الصبر عن الشهوة هو في حقيقته حماية للذات وصون لكرامتها وسعادتها الحقيقية.