حكمة
نص موثق
«

الحق لا يُقاوم سلطانه، والباطل يُقذف شيطانه بشهاب النظر. والناقل إنما يملي وينقل، أما البصيرة فتنقد الصحيح إذا تمعنت، والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقلها.

»
ابن خلدون العصور الوسطى

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة لابن خلدون رؤيةً معرفيةً عميقة حول طبيعة الحق والباطل، ودور العقل البشري في تمييزهما. يرى ابن خلدون أن "الحق لا يُقاوم سلطانه"، أي أن الحقيقة تمتلك قوةً ذاتيةً كامنة لا يمكن قهرها أو إخفاؤها على المدى الطويل، فهي تفرض نفسها بحكم جوهرها.

وفي المقابل، "الباطل يُقذف شيطانه بشهاب النظر"، بمعنى أن الباطل وما يتبعه من ضلالات وأوهام (ممثلاً بشيطانه) يُدحض ويُزال بقوة البصيرة والتفكير النقدي العميق ("شهاب النظر" أي شرارة الإدراك الثاقب). هذا يُبرز أهمية العقل والتحليل في كشف زيف الباطل.

ثم يُفرق ابن خلدون بين دور الناقل ودور البصيرة: "الناقل إنما يملي وينقل"، أي أن مجرد نقل المعلومات أو الروايات دون تمحيص لا يُعد معرفة حقيقية، فالناقل قد يكون سلبياً في تلقي المعلومة. بينما "البصيرة فتنقد الصحيح إذا تمعنت"، فالبصيرة الحقيقية هي القدرة على الفحص والتحليل والتدقيق، وهي لا تقبل المعلومة إلا بعد التفكير العميق والتمعن فيها، لتمييز الصحيح من الزائف.

أخيراً، يُشدد على دور العلم: "والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقلها"، فالعلم هو الأداة التي تُنير العقول وتُصقل الفهم، وتُزيل عنها غبار الجهل والتقليد، مما يُمكنها من إدراك الحقائق بوضوح ونقاء. هذه المقولة تُعد دعوةً منهجيةً للتفكير النقدي والبحث العلمي كسبيل وحيد للوصول إلى الحقيقة.