جوهر المقولة
يُقدِّمُ هذا الحديثُ النبويُّ الشريفُ مفهومًا عميقًا ومختلفًا للإفلاسِ، يختلفُ جذريًا عن المفهومِ الماديِّ الدنيويِّ. فالمفلسُ في نظرِ الإسلامِ ليسَ من خسرَ مالَهُ وتجارتَهُ، بل هو من خسرَ آخرتَهُ رغمَ اجتهادِهِ في العباداتِ الظاهرةِ. فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يصفُ المفلسَ بأنهُ من يأتي يومَ القيامةِ بأعمالٍ صالحةٍ عظيمةٍ كالصيامِ والصلاةِ والزكاةِ، لكنَّهُ في المقابلِ قد ارتكبَ مظالمَ في حقِّ العبادِ، كالشتمِ والقذفِ وأكلِ الأموالِ بالباطلِ. هذا التصويرُ يُبرزُ أنَّ حقوقَ العبادِ لا تقلُّ أهميةً عن حقوقِ اللهِ، بل قد تكونُ أشدَّ في المحاسبةِ.
تكمنُ الفلسفةُ الأخلاقيةُ هنا في أنَّ العدلَ الإلهيَّ يقتضي القصاصَ التامَّ يومَ القيامةِ. فالمظلومونَ يأتونَ ليأخذوا حقوقَهم من الظالمِ. ولا يكونُ القصاصُ بالمالِ أو العقوبةِ البدنيةِ كما في الدنيا، بل يكونُ بالحسناتِ والسيئاتِ. فكلُّ مظلومٍ يأخذُ من حسناتِ الظالمِ بقدرِ مظلمتِهِ، حتى إذا فنيتْ حسناتُ الظالمِ ولم يبقَ لديهِ ما يوفي بهِ حقوقَ العبادِ، أُخذَ من سيئاتِ المظلومينَ وطُرحتْ عليه، ليتحملَ أوزارًا فوقَ أوزارِهِ.
إنَّ هذا الحديثَ تحذيرٌ بليغٌ لكلِّ مسلمٍ من التهاونِ في حقوقِ الناسِ، ويُعلِّمُنا أنَّ بناءَ العلاقةِ الصحيحةِ مع اللهِ لا يكتملُ إلا ببناءِ العلاقةِ الصحيحةِ مع عبادِهِ. فمهما عظمتْ العباداتُ، فإنها لا تُجدي نفعًا إذا كانتْ مصحوبةً بالظلمِ والعدوانِ على الآخرينَ. فالإسلامُ دينٌ شاملٌ يُعنى بالجانبِ الروحيِّ والأخلاقيِّ والاجتماعيِّ معًا، ويُرسِّخُ مبدأَ المساءلةِ الكاملةِ والعدلِ المطلقِ في يومِ الحسابِ، حيثُ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ وعملٍ صالحٍ خالٍ من المظالمِ.