🔖 بر الوالدين وفلسفة الأمومة
🛡️ موثقة 100%

إني أكتب اليوم عن أمي، ولكن كل واحد منكم سيقرأ فيه الحديث عن أمه هو. ألم يقل سبنسر إن الجميع يبكون في المآتم، ولكن كلاً يبكي على ميّته؟ فمن قعد يقرأ هذه الحلقة وله أم، فليتدارك ما بقي من أيامها، لئلا يصبح يومًا فلا يجدها ولا يجد ما يعوضه عنها. وإن كانت عجوزًا، أو كانت مريضة، أو كانت مزعجة بكثرة طلباتها، فاذكر أنها إن احتاجت إليك اليوم، فلقد كنت يومًا أحوج إليها. وإن طالبتك أن تقدم لها من مالك، فقد قدمت لك من نفسها ومن جسدها. وأنها حملتك في بطنها، فكنت عضوًا من أعضائها يتغذى من دمها، ثم وضعتك كرهًا عنها، انتُزعت منك انتزاع روحها. أما أبصرت يومًا حاملًا في شهرها التاسع، بطنها إلى حلقها لا تستطيع أن تمشي من ثقل حملها ولا تستطيع أن تنام؟ وإن لم ترَ بعينك امرأة تلد، أفما سمعت صراخها من ألمها؟ ألم يبلغك ما تقاسي وما تتعذب؟ لو سبب لك إنسان عُشر هذا العذاب لأعرضت عنه ولهجرته، هذا إن أنت رفقت به فما انتقمت منه ولا آذيته. ولكن الأم تنسى بعد لحظات من خروج الولد ألمها، ثم تضمه إلى صدرها فتحس كأن روحها التي كادت تفارقها قد رُدّت إليها، وتلقمه ثديها ليمتص حياتها، فيقوى بضعفها ويسمن بهزالها.

علي الطنطاوي معاصر
شعبية المقولة
10/10
💡

ما وراء الكلمات (الشرح والمعنى)

هذه المقولة العميقة لعلي الطنطاوي ليست مجرد نصيحة بر الوالدين، بل هي تأمل فلسفي في جوهر العلاقة الإنسانية الأسمى: علاقة الأم بطفلها. يبدأ الكاتب بالتأكيد على أن حديثه عن أمه هو حديث كوني، يلامس وجدان كل قارئ تجاه أمه، مستشهدًا بقول سبنسر عن البكاء في المآتم كدليل على الفردانية في الألم والصلة.

الفكرة المحورية هي دعوة لاستدراك قيمة الأم في حياتها، قبل فوات الأوان. يتجاوز الطنطاوي النظرة السطحية للأم (سواء كانت عجوزًا، مريضة، أو كثيرة الطلبات) ليغوص في عمق العطاء والتضحية. يقدم حجة أخلاقية قوية مبنية على مبدأ المعاملة بالمثل والاعتراف بالجميل: فاحتياج الأم اليوم يقابله احتياج الابن الأشد إليها في الماضي. وتضحيتها بمالها لا تضاهي تضحيتها بنفسها وجسدها.

يبلغ النص ذروته في وصف معاناة الأم أثناء الحمل والولادة، مصورًا إياها كعذاب جسدي ونفسي يفوق قدرة البشر على التحمل من أي شخص آخر. هذا الوصف ليس مجرد سرد، بل هو محاولة لإيقاظ الوعي العميق بالتضحية المطلقة التي تقدمها الأم، والتي تتجاوز حدود المنطق البشري في العطاء. الفلسفة هنا تكمن في إبراز طبيعة الحب الأمومي غير المشروط، الذي يتجاوز الألم والمعاناة، ويتحول الألم إلى نسيان لحظي بمجرد رؤية الوليد، ليحل محله شعور عميق بالامتلاء الروحي والعطاء المستمر الذي يغذي الطفل من جسدها وروحها. إنه تجسيد لمعنى العطاء المطلق الذي لا ينتظر مقابلًا، والذي يمثل قمة الإيثار الإنساني.

وسوم ذات صلة