حكمة
نص موثق
«

إذا طاب لي عيشٌ تنغَّصَ طيبُه،
يصدُقُ يقيني أنْ سيذهبَ كالحُلُمِ.
ومن كان في عيشٍ يراعي أوَّلَه،
فذلك في بؤسٍ وإن كان في نَعَمِ.

»
ابن الرومي العصر العباسي

جوهر المقولة

تُعد هذه الأبيات تأملاً عميقًا في طبيعة المتع الدنيوية الزائلة والعبء النفسي المتمثل في ترقب الفقدان. يُعبر الشطر الأول عن قناعة الشاعر الراسخة بزوال السعادة؛ فمتى ما طابت الحياة، يعتريها شعور بالمنغص، نابع من اليقين بأن هذا الطيب سيزول كالحلم. يعكس هذا فهمًا وجوديًا، ربما أقرب إلى الفلسفة الرواقية أو الحزينة، حيث تتشوه بهجة الحاضر بتوقع التغير الحتمي في المستقبل.

يوسع الشطر الثاني هذه الفكرة: 'ومن كان في عيشٍ يراعي أولَه، فذلك في بؤسٍ وإن كان في نَعَمِ.' وهذا يُشير إلى أن من يعيش في رفاهية ولكنه دائمًا ما يراقب بدايتها أو يخشى نهايتها (بتفسير 'أوله' كبداية أو كإشارة إلى ما سيحدث بعدها)، فهو يعيش في شقاء داخلي، حتى لو كان محاطًا بالنعم الظاهرة. إنها تُبرز المعاناة النفسية التي يسببها التعلق بالنتائج أو العيش في ترقب دائم للفقدان. فالشقاء الحقيقي ليس غياب النعم، بل العجز عن الاستمتاع بها بسبب عقل مُثبّت على زوالها المحتوم. إنها دعوة للعيش في اللحظة الراهنة، أو على الأقل، للتحرر من قلق الفقدان المستقبلي.