أرسلت ابنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه تخبره أن ابنها قد احتضر وتدعوه ليشهد، فأرسل صلى الله عليه وسلم يقرئها السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبري ولتحتسبي.»
»جوهر المقولة
هذه المجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة تُشكل نسيجًا متكاملاً حول مفهوم الصبر والاحتساب والتعامل مع أقدار الله المؤلمة، وتُبرز عمق الفلسفة الإسلامية في مواجهة المصائب.
الحديث الأول يرسخ مبدأ التسليم المطلق لقضاء الله وقدره، فكل ما يأخذه الله أو يعطيه هو بتقدير وحكمة إلهية، ولكل أجل مسمى. هنا، يُوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اعتبار المصيبة فرصة للأجر والثواب بالصبر والاحتساب، لا مجرد استسلام يائس، بل قبول واعٍ لقضاء الله مع رجاء الثواب منه.
أما الحديث الثاني، فيُحدد جوهر الصبر الحقيقي، وهو الصبر عند "الصدمة الأولى". هذا يعني أن الصبر ليس مجرد تحمل للألم بعد زوال شدة الفاجعة، بل هو التحكم في رد الفعل الأولي، ومقاومة الجزع والهلع في اللحظات الأولى التي تدهم فيها المصيبة النفس. هذا النوع من الصبر هو الذي يُثاب عليه المرء عظيم الثواب، لأنه يتطلب مقاومة طبيعة النفس البشرية المائلة للجزع.
الحديث الثالث يُقدم مثالًا حيًا على قوة الصبر واختيار الثواب الأخروي على العافية الدنيوية. المرأة التي اختارت الصبر على مرض الصرع مقابل الجنة، مع طلب ستر عورتها، تُظهر قمة الإيمان والرضا بقضاء الله، وتُعلي من شأن الآخرة على الدنيا، وتُبرز أن الصبر ليس ضعفًا بل قوة إرادة واختيار واعٍ.
الحديث الرابع يُعمق هذا المعنى بتأكيد أن كل أذى يصيب المسلم، مهما كان صغيراً كالوخزة بالشوكة، يُعد تكفيراً للخطايا. هذا يُضفي معنى إيجابياً على المعاناة، ويُحول الألم إلى فرصة لتطهير الذنوب، ويُعزز الأمل والرجاء في رحمة الله، ويجعل المؤمن ينظر إلى الابتلاءات ليس كعقوبة بل كفرصة للتكفير والتقرب إلى الله.
مجمل هذه الأحاديث يُشكل دعوة عميقة للتأمل في حكمة الابتلاءات، وضرورة التحلي بالصبر والرضا، والثقة بأن كل ما يصيب الإنسان هو جزء من تدبير إلهي له غايات أسمى، وأن الجزاء الأوفى يكون لمن صبر واحتسب.