حكمة
نص موثق
«

إن زهد المرء الحقيقي فيما يفنى من متاع الدنيا وملذاتها، يكون على قدر رغبته الصادقة فيما يبقى من نعيم الآخرة وثوابها.

»
أبو الحسن الشاذلي العصر الأيوبي

جوهر المقولة

هذه المقولة تُقدم تعريفًا عميقًا للزهد، وتُربط بينه وبين الرغبة الحقيقية في البقاء والخلود. فـ "زهد المرء فيما يفنى" لا يعني ترك الدنيا بالكلية أو تحريم الطيبات، بل يعني عدم التعلق القلبي بها، وعدم جعلها الغاية القصوى. و"ما يفنى" يُشير إلى كل ما هو زائل ومؤقت في هذه الحياة الدنيا من مال وجاه وسلطة وملذات. فالزهد هو الاستغناء عن هذه الفانيات بالقلب وإن كانت في اليد.

أما "على قدر رغبته فيما يبقى" فيُبين أن الزهد ليس فراغًا أو عدمًا، بل هو تحول للرغبة من الفاني إلى الباقي. و"ما يبقى" يُقصد به الثواب الأخروي، والنعيم الدائم، والقرب من الله، وكل ما هو خالد. فالمقولة تُشير إلى أن قوة زهد الإنسان في الدنيا تتناسب طرديًا مع قوة رغبته وشوقه للآخرة. فكلما ازداد تعلق القلب بالباقي، قلّ تعلقه بالفاني، والعكس صحيح.

فلسفيًا، هي دعوة إلى تحديد الأولويات، وإلى استثمار الحياة الدنيا كوسيلة للوصول إلى الغاية الأسمى، وهي الحياة الآخرة الخالدة. إنها تُعلي من قيمة البصيرة الروحية التي ترى ما وراء الظواهر المادية، وتُشجع على التوازن بين متطلبات الدنيا وضرورات الآخرة، مع إعطاء الأولوية لما هو أبقى وأدوم.