فلسفة اجتماعية إن الأعداء ليقرعون الأبواب بعنف، بيد أنهم لن يتمكنوا من ولوج حصوننا ما لم نفتح لهم نحن من الداخل.
تحليل سياسي وفكري فإننا خلال تاريخنا الطويل لم نكسب معاركنا الكبرى بكثرة العدد ولا برجحان السلاح، بل كسبناها بالاستناد إلى الله وبذل كل ما لدينا من طاقة. وجميع المعارك التي كسبها اليهود في عدوانهم علينا في السنين الأخيرة لم تكن لبسالة المقاتل اليهودي أو لعظمة أسلحته، بل كانت – ونقولها محزونين مكسورين – لتفاهة القيادات، وسذاجة الخطط، وعربدة الشهوات في صفوف العرب! ولو كان العرب بهذه الخصال يقاتلون جيشًا من القردة لانهزموا، فأنى لهم النصر وبعضهم يأكل بعضًا، ويتربص به الدوائر، والكل بعيد عن الإسلام منسلخ من تعاليمه؟
حكمة يا من أمرهم دينهم بالجهاد حتى يفتحوا العالم ، ويهدوا البشر إلى دينهم ، فقعدوا حتى فتح العدو بلادهم ، وفتنهم عن دينهم! يامن حكم أجدادهم بالحق أقطار الأرض ، وحُكموا هم بالباطل فى ديارهم وأوطانهم! يامن باع أجدادهم نفوسهم من الله بأن لهم الجنة ، وباعوا هم الجنة بأطماع نفوس صغيرة ، ولذائذ حياة ذليلة! يا أيها الناس: مالكم نسيتم دينكم ، وتركتم عزتكم ، وقعدتم عن نصر الله فلم ينصركم ، وحسبتم أن العزة للمشركين ، وقد جعل الله العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ؟
حكمة إن المسلمين اعتبروا الهجرة بداية تاريخهم في الحياةولم يعدوا ميلاد نبيهم ولا مبعثة مبدأ لذلك التاريخ الحافل البعيد ولم يكن هذا التصرف إلا فقهاً منهم في دينهموبصراً نافذاً في معرفة حقيقته وتقديس روحه فالهجرة سفراً من مكة إلى المدينةحادث لا يذكر ولا يقدر . فكم في الدنيا من أسفار أطول أمداً وأبعد شقة من هذا السفر القاصد . إنما روعة الهجرة أنها عقيدة وتصحية وفداء وكفاح وإصرار غريب على مغاضبة الدنيا الثائرة الحاقدة ! والتذرع بالوسائل التي في مقدور البشر مغالبتها فإما موت كريم و إما نصر كريم . هذه الحفنة من المؤمنين الأبطالهم الذين أعطوا الهجرة بأعمالهم الخالدة روح الخلودوعلموا الحياة كيف ترجع المبادئ بكل ما توزن به من مآرب أو متاعب وكيف تتخطى كل ما يعوقها من صعاب . {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ولو أدرك المسلمون من التأريخ بالهجرة هذا المعنى الساميما اضطربت أحوالهم هذا الاضطراب المؤسف فلا هم الذين حرصوا على الحياة في أية بقعة من بقاع الأرضولا هم ماتوا دون أن ينال أعداؤهم منهم ما نالوا : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}
حكمة أعلم بأنه ليس هناك ما هو أفضل من تجديد الأمل في النصر… وأن في العلاقة الإنسانية بين الرئيس والمرؤوس ما يحيي التفاؤل في النفس، ويعطيها الثبات، للمضي في طريقها، في ظروف حرب أو صراع، تكون الغلبة فيه للمطاولة والصبر والعزيمة.