نقد اجتماعي ويحك! هذه أشياؤك التي تعبدها تلاحقك كل مساء، فتتحطم فوق رأسك، ثم تبيت ليلتك تئن تحت ركامها. وتستيقظ صباح كل يوم لتدور كالآلة في دوامة رتيبة، ترشقك مسامير ذلك الضجيج نفسه، وتخنقك رائحة تلك الملفات نفسها، وتلهب وجهك لفحات الحرائق ذاتها. وتطول آمالك وتتسع أطماعك، وتمتد عيناك إلى مختلف الأشكال والألوان، ولا تخرج عن نطاق أشياك التي لا تعدو أن تكون في نهاية المطاف مجرد حفنة من تراب.
فلسفة الوجود إن خلق العالم بالصدفة هو مجرد افتراض وتخمين، وليس حقيقة علمية ثابتة. ومن الاعتراضات المعروفة على هذا الرأي أن نشأة كائن معقد كالإنسان من تلك الذرات مصادفةً، هو أمر أبعد احتمالاً من أن يضرب قردٌ على آلة كاتبة فيخرج لنا قصيدةً رائعةً.
النقد الاجتماعي انعدمت فيهم القيم الروحية، فما بقي لهم من عبادتهم إلا مراسيم وطقوس انتزعت منها الروح؛ حركات تحركها الشفاه وإيماءات من الرأس، وسعي وطواف، والقلب غافل عن الذكر، متعلق بالماديات.
الفلسفة الأخلاقية مع كامل احترامي، إن مستقبل العالم ليقلقني قلقًا عظيمًا، أشد مما يقلقني مستقبل حقل الدواجن. فحقل الدواجن يحظى باهتمام بالغ من رب العمل وزوجته وشركائه، والربح فيه مضمون لهم جميعًا. أما العالم، فإذا لم نقلق نحن عليه، وإذا لم أقلق أنا عليه، فمن ذا الذي سيقلق؟ أما الربح فليس مضمونًا لأحد فيه؛ فلا بأس، لكم أنتم حقلكم وأرباحه، ولي أنا العالم بمستقبله وخسائره!
القيم في عصر طغت فيه الماديات، بات الانفراد بالنفس أبهى وأجمل من مجالسة أقوام يقيّمون المرء بمظهره الخارجي وماركة حذائه، قبل أن يلتفتوا إلى جوهره وعقله.
فلسفة الأخلاق والقيم لا ترفع من قيمة مظهرك الخارجي على حساب جوهرك الداخلي، لئلا تكتشف يومًا أن ذاتك أهون من كسوتك.
فلسفة معاصرة كل شيء يُشترى: الحب، الفن، كوكب الأرض، أنتم، وأنا، وخاصة أنا. الإنسان منتج كسائر المنتجات، له تاريخ انتهاء صلاحية. أنا وكيل إعلانات، ومن أولئك الذين يجعلونكم تحلمون بأشياء لن تمتلكوها أبدًا: سماء زرقاء دائمًا، وفتيات لا يقبحن أبدًا، وسعادة مثالية معدلة بالفوتوشوب. أتظنون أنني أُجمّل العالم؟ بل إني أُفسده وأعبث به في ضياعي. كل شيء مؤقت: الحب، الفن، كوكب الأرض، أنتم، وأنا، وخاصة أنا.