فلسفة الحياة هكذا تجري الأقدار أحيانًا، فليست كل قراراتنا محصلة حتمية لما سبقها. قد نجد أنفسنا حائرين بين خيارين، ثم ننجرف في مسار معين، ليسلمنا هذا المسار إلى قرار آخر، وهكذا دواليك. وبعد عام، قد نجد أنفسنا في موضع لم نخطط له قط. قد نود التراجع أحيانًا، لكن في معظم الأحيان يعجزنا ذلك فنستمر في المضي قدمًا. وبعد عقود، قد نتأمل الماضي فلا نذكر أصلًا لمَ اتخذنا تلك الخطوات.
حكمة المكان.. أتساءل: لِمَ يرى كلُّ من يكتب شيئًا عن حياته ضرورةً في وصف الأمكنة التي ترعرع فيها، وجال في أزقتها، وتمازجت أرواحهم بمائها وهوائها، وتداخلت طبيعتها معهم حتى تشكَّلت نفوسهم على هيئتها؟ إنهم يفعلون ذلك تجاه أمكنتهم؛ لأن الإنسان انعكاسٌ لها، يحمل تفاصيلها، ويتشكل على طريقتها.
حكمة أن تمتلك ذاكرة لا يمحو منها شيء لهو أشبه بالعجز، فربما يغيب عن ذهنك أحيانًا أنك قد عشت حياتك دون مستوى الآخرين، لكنك لن تنسى أبدًا نظرةً أخيرةً ألقاها أحدهم على يديك أو قدميك، فتجد نفسك تتألم من هذه النظرة في لحظة واحدة أشد من ألم إعاقتك طوال حياتك.
حكمة إن الذين نحبهم في غيابهم لا يرحلون، فكأنما لا تتوارى سوى أجسادهم. وكأنهم بطرق خفية ومجهولة يأتُون من الغيب، ويعيدون نسج ملامحهم وأصواتهم وكلماتهم. فنراهم حيناً في وجه غريب لا نعرفه، أو نلمحهم أحياناً في مكان ألفوه، أو نصغي لأصواتهم في عبارة قيلت مصادفةً، وكانوا هم يصدحون بها. وكأننا نحن الذين بقينا للفقد والانتظار، نشعر بيقين راسخ أن أولئك الراحلين لم يبرحونا بعد، وأنهم ما زالوا بيننا!
حكمة فلتذكروني لا بسفككم دماء الآخرين، بل اذكروني بانتشال الحق من ظفر الضلال، بل اذكروني بالنضال على الطريق، لكي يسود العدل فيما بينكم. فلتذكروني بالنضال. فلتذكروني عندما تغدو الحقيقة وحدها حيرى حزينة، فإذا بأسوار المدينة لا تصون حِمى المدينة، لكنها تحمي الأمير وأهله والتابعين. فلتذكروني عندما تجد الفصائل نفسها أضحت غريبة، وإذا الرذائل أصبحت هي وحدها الفضلى الحبيبة، وإذا حُكمتم من قصور الغانيات ومن مقاصير الجواري، فاذكروني. فلتذكروني حين تختلط الشجاعة بالحماقة، وإذا المنافع والمكاسب صارت ميزان الصداقة، وإذا غدا النبل الأبي هو البلاهة، وبلاغة الفصحاء تقهرها الفكاهة، والحق في الأسمال مشلول الخطى حذر السيوف! فلتذكروني حين يختلط المزيف بالشريف، فلتذكروني حين تشتبه الحقيقة بالخيال، وإذا غدا البهتان والتزييف والكذب المجلجل هي آيات النجاح، فلتذكروني في الدموع. فلتذكروني حين يستقوي الوضيع، فلتذكروني حين تغشى الدين صيحات البطون، وإذا تحكم فاسقوكم في مصير المؤمنين، وإذا اختفى صدح البلابل في حياتكم ليرتفع النباح، وإذا طغى قرع الكؤوس على النواح، وتجلجل الحق الصراح، فلتذكروني. وإذا النفير الرائع الضَّرّاف أطلق في المراعي الخضر صيحات العداء، وإذا اختفى نغم الإخاء، وإذا شكا الفقراء واكتظت جيوب الأغنياء، فلتذكروني. فلتذكروني عندما يفتي الجهول، وحين يستخزي العليم، وعندما يستحلي الذليل، وإذا تبقى فوق مائدة امرئ ما لا يريد من الطعام، وإذا اللسان أذاع ما يأبى الضمير من الكلام، فلتذكروني. فلتذكروني إن رأيتم حاكميكم يكذبون ويغدرون ويفتكون، والأقوياء ينافقون، والقائمين على مصالحكم يهابون القوي ولا يراعون الضعيف، والصامدين من الرجال غدوا كأشباه الرجال، وإذا انحنى الرجل الأبي، وإذا رأيتم فاضلاً منكم يؤاخذ عند حاكمكم بقوله، وإذا خشيتم أن يقول الحق منكم واحد في صحبه أو بين أهله، فلتذكروني. وإذا غُزيتم في بلادكم وأنتم تنظرون، وإذا اطمأن الغاصبون بأرضكم وشبابكم يتماجنون، فلتذكروني عند هذا كله ولتنهضوا باسم الحياة كي ترفعوا علم الحقيقة والعدالة. فلتذكروا ثأري العظيم لتأخذوه من الطغاة، وبذاك تنتصر الحياة. فإذا سكتّم بعد ذلك على الخديعة، وارتضى الإنسان ذله، فأنا سأذبح من جديد، وأظل أُقتل من جديد، وأظل أُقتل كل يوم ألف قتلة. سأظل أُقتل كلما سكت الغيور وكلما أغفى الصبور، سأظل أُقتل كلما رغمت أنوف في المذلة، ويظل يحكمكم يزيد ويفعل ما يريد، وولاته يستعبدونكم وهم شر العبيد، ويظل يلقنكم وإن طال المدى جرح الذل.
حكمة تمنّيتُ لو أن للذاكرة إكسيرًا يُعيدُ إليها كلّ ما حدثَ في تسلسله الزمنيّ، واقعةً واقعةً، ويُجسّدُها ألفاظًا تنهالُ على الورق.
حكمة إن ما أدركته بالأمس وما تدركه اليوم ليسا شيئًا واحدًا. فالحياة متدفقة، جارية، تسبق خطوات البشر. وهي في كل يوم تُحدِث فيك تغييرًا؛ تأكل منك، وتقضم من أطراف كيانك، وتوسع رقعة الخدر في فؤادك. وفي كل يوم أيضًا تضيف إليك، وتُضخِّم وجودك، وتغرس في قلبك مسامير المتعة والألم. ولكنك تظل متغيّرًا أبدًا. طفولتك تلازمك، بيد أنها لم تعد جزءًا جوهريًا منك. إنها هناك – بعيدة عنك، مع ذلك الموج في أقصى الأفق، في الجزيرة التي تبدو لك في بحر أحلامك.
حكمة الجدة شبه النائمة تغني في الغرفة العمياء، يصطدم خفاشٌ بالشباك ولا يتلوث أحدٌ بدماء الواقع، ربما لأن الشبابيك مجرد فكرة. تغني الجدة، فيخرج سندباد من مدينة أخرى، وتعود سندريلا على أطراف أصابعها إلى البيت، وينادي ديك كسول على قوس قزح. أشباحٌ تتكوم في الركن، فتتنزل أجنحة النوم على مراتب القطن وننام.