بالرغم من أنه لا يمكننا العودة إلى الوراء لنصنع بداية جديدة، إلا أنه يمكننا أن نبدأ من الآن في صناعة نهاية جديدة.
عن المخططات المرجأة، والرؤى الخافتة. عن البعد الذي لا ينجلي، والقرب الذي يكتسي ثوب الغرابة. عن الدفء الذي لا يُلامس الروح إلا في فنجان قهوةٍ في ليلةٍ شتويةٍ كئيبة، وعن القرب الذي لا يتعدى احتضان وسادةٍ مُثقلةٍ بالكآبة. عن عالمٍ لا ينقضي، وعن خواءٍ باطنيٍّ يتخفى في صباحٍ مُثقلٍ بالطقوس المتكررة. عن الزفرات المسائية، وعن الصحبة الزائفة. عن الخذلان. وعن البهتان. عن الرضا بالقليل الذي يُعدُّ كثيرًا. عن الغربة في الأوطان، والاغتراب في خبايا الذات. عن الهمس الذي لا يجد له آذانًا صاغية، وعن الأرواح التي تصمت وإن تمنينا لها الكلام. عن الحبيب الغائب، وعن الجمال الذي لا يلوح أبدًا. عن العناق الذي يضم الكون بأسره، وعن البكاء على صدر أنثى. عن الخريف، وعن كآبة الشتاء. عن لعن الصيف والتشوق للربيع. عن الجميع. عن القلوب التي اعتراها الصدأ، والأرواح التي أضناها البلى. عن المشاهد المتكررة، والمشاعر المكدسة. عن الأرق الذي يستبد بالفؤاد، وعن المساء السرمدي.
لقد خذلتُ ذاتي، وخيبتُ آمال الآخرين المعلقة بي. كل عام يمر وأنا أجدني غريبًا عن حقيقتي، لا أُشبهُ ما كنتُ أرجو.
إنَّ البدايةَ طفلٌ، والنهايةَ طفلٌ؛ وما بينهما طفولةٌ نسعى جاهدين لفطامها. وبين هذين الطفلين وحدةٌ عميقةٌ لا يمزقها إلا صدى الصراخ.
لكن إنسانيتي كانت دائمًا رافضة، لأنها مبتورة، مشوهة، مطحونة، من الداخل ومن الخارج. أرفض زمن القتل. أرفض زمن الخيبة. أرفض اليأس. وها أنا أخيرًا أرفض الأمل. تمنيت لو أستعلي على البشر، على همومهم، حقارتهم، قساوتهم، ولكنني أخفقت. شيء ما يستطرد بي إلى ما أعجز عن إدراك كنهه. شيء شارد، تحس به الحواس كلها، ولكنه يراوغها جميعًا. كالزمن، تشعر به ولكنك لا تستطيع الإمساك به أو حفظه. وهو مع ذلك يلتف حولك، ويلازمك، ويداعبك، ويقهرك، إلى أن تبلغ آخر مداك: التراب. كل ما عدا التراب أكذوبة وراء أكذوبة. أحاول تعيين ذلك في كلمات مدونة، ولكن حالما تحيط به قضبان الكلمات، يتضاعف الغمام فيه، وما كان دفقًا من الدم يصبح نفثات سوداء تقول لي في النهاية: أنت واهم.
سأحيا، لأن ثمة أناسًا قليلين أحبُّ أن أبقى معهم أطولَ وقتٍ ممكنٍ، ولأنَّ عليَّ واجباتٍ يجبُ أن أؤديها. ولا يعنيني إن كان للحياةِ معنىً أو لم يكن، وإذا كنتُ لا أستطيعُ أن أغفرَ فسأحاولُ أن أنسى.
لا راحةَ دائمةً في الدنيا، وإنْ ظفرَ أحدٌ بالراحةِ يوماً ما، فلا شكَّ أنَّ ذاكَ اليومَ هو يومُ وفاتِهِ.