إنَّ الحركةَ الإسلاميةَ المعاصرةَ في حاجةٍ ماسَّةٍ في الظروفِ الراهنةِ إلى قلوبٍ متجرِّدةٍ للهِ تعالى، لا تلتفتُ إلى متاعٍ دنيويٍّ حقيرٍ زائلٍ، ولا تعملُ من أجلِ الزعامةِ أو القيادةِ أو الصدارةِ، أو من أجلِ الجماعةِ التي تنتمي إليها ولو كانَ ذلكَ على حسابِ المنهجِ الصحيحِ.
إن المجتمع الذي يحيا بروح الجهاد ويستعد له، لا يمكن أن يتصدع من داخله، ولا أن تمزقه أحقاد طبقية أو أنانيات فردية، إذ لا شيء أقوى من وحدة الدم. ويستحيل على أي قوة داخلية أن تستبد بهذا المجتمع؛ بل هو في عملية نمو حضاري دائم، بفضل روح الجهاد التي تسيطر عليه، والتي تحتم عليه أن يكون متفوقًا حضاريًا بكل ما يعنيه التفوق من تقدم تكنولوجي واجتماعي. غير أن هذا المجتمع المجاهد القوي المتفوق قد يُغري أفراده بالتوسع، فإن القوة دائمًا ما تُغري باستخدامها، والقدرة تخلق إمكانية استغلالها. لذلك جاء التحديد القاطع لطبيعة الجهاد بأنه لا يكون إلا في سبيل الله ولإعلاء كلمته. فالمسلم يعلم أن القتال لأي هدف سوى إعلاء كلمة الله هو قتال من أجل ما استهدفه، وليس جهادًا، ولا يثاب عليه المسلم ثواب المجاهدين.
أيها الناس، إن قطعة الذهب قد تسقط في الوحل فيصيبها الأذى، ولكنها تظل ذهباً في جوهرها. والصفيح ليس كالذهب، والشر ليس كالخير، والليل الأسود البهيم ليس كالضحى المشرق المضيء. وكذلك، اليهودي ليس كالمسلم، ولو وُضعت في يده أموال الدنيا، ولو جمع في مخازنه أسلحة العالم، ولو وقفت وراءه أقوى دول الأرض.
قبلَ الأمرِ بالصلاةِ والصيامِ، وقبلَ تفصيلِ الشرائعِ، وقبلَ الكلامِ عن العقيدةِ، قالَ اللهُ تعالى: ((اقرأ)).
فلا يمكنُ تحصيلُ ملكةِ تغييرِ ما بالأنفسِ – كما لا يمكنُ تحصيلُ ملكةِ البيانِ والشعرِ – إلا بممارسةِ هذا الفنِّ؛ وهو النظرُ في سُنَنِ الماضينَ وما حدثَ للأممِ من تغييرٍ بطيءٍ أو سريعٍ خلالَ التاريخِ. ونحنُ إلى الآنَ لا ندرسُ التاريخَ على هذا الأساسِ أو القصدِ، وإن كانَ القرآنُ يُلِحُّ علينا في ذلكَ.