فلسفة وحكمة
نص موثق
«

لا أستسيغُ كلمةَ التسامحِ، بيدَ أني لا أجدُ لفظًا أبلغَ منها.

»
غاندي العصر الحديث

جوهر المقولة

تُعبّرُ مقولةُ غاندي هذه عن فهمٍ عميقٍ ومتبصّرٍ لمفهومِ "التسامحِ"، يكشفُ عن مفارقةٍ فلسفيةٍ دقيقةٍ. فقوله "لا أستسيغُ كلمةَ التسامحِ" يوحي بأن هناك شيئًا في هذا اللفظِ لا يروقُ له تمامًا، ربما لأنه قد يُفهمُ على أنه مجردُ تحمُّلٍ سلبيٍّ للآخرِ أو تقبُّلٍ مضطرٍّ لا ينبعُ من قناعةٍ أو محبةٍ حقيقيةٍ. قد يرى غاندي أن التسامحَ، بمفهومهِ الشائعِ، قد لا يرقى إلى مستوى الفضائلِ العليا التي كان يدعو إليها، مثلَ المحبةِ الشاملةِ، والتعاطفِ، والوحدةِ الإنسانيةِ.

ومع ذلك، فإن إقرارهُ بأنه "لا أجدُ لفظًا أبلغَ منها" يكشفُ عن واقعيةٍ براغماتيةٍ. فهو يدركُ أن التسامحَ، رغمَ قصورهِ المحتملِ في التعبيرِ عن أسمى درجاتِ التعايشِ، يظلُّ المصطلحَ الأكثرَ فاعليةً وقبولًا للتعبيرِ عن ضرورةِ قبولِ الآخرِ المختلفِ، والامتناعِ عن إيذائهِ، والعيشِ المشتركِ بسلامٍ. إنه يعترفُ بأن اللغةَ قد تقصرُ أحيانًا عن استيعابِ عمقِ التجاربِ الإنسانيةِ والمفاهيمِ الأخلاقيةِ المعقدةِ، وأننا مضطرون لاستخدامِ الألفاظِ المتاحةِ حتى وإن لم تكنْ مثاليةً.

يمكنُ تفسيرُ هذا التناقضِ الظاهريِّ على أنه دعوةٌ ضمنيةٌ لتجاوزِ المعنى السطحيِّ للتسامحِ نحو فهمٍ أعمقَ وأكثرَ إيجابيةً، حيثُ لا يكونُ التسامحُ مجردَ غضِّ طرفٍ، بل هو إقرارٌ بقيمةِ الآخرِ واحترامِ وجودهِ وحقهِ في الاختلافِ، وهو ما يمهدُ الطريقَ نحو المحبةِ والتعاونِ الحقيقيينِ.