دين وإيمانيات
نص موثق
«

يُحكى عن شيخ المرسلين نوحٍ عليه السلام، أنه حين جاءه ملَك الموت ليتوفاه بعد عمرٍ مديدٍ جاوز الألف سنةٍ، سأله الملَك: يا أطول الأنبياء عمراً، كيف وجدت الدنيا؟ فأجاب نوحٌ: كدارٍ لها بابان، دخلتُ من أحدهما وخرجتُ من الآخر!

»
يوسف القرضاوي العصر الحديث

جوهر المقولة

تُقدم هذه الحكاية المنسوبة لنبي الله نوحٍ عليه السلام، والذي عُرف بطول عمره، رؤيةً فلسفيةً عميقةً للحياة الدنيا. فبعد أن أمضى نوحٌ عليه السلام عمراً مديداً فاق الألف سنة، جاءه ملَك الموت، وسأله سؤالاً جوهرياً يمس كنه الوجود: "كيف وجدت الدنيا؟". هذا السؤال ليس عن تفاصيل الحياة اليومية، بل عن جوهر التجربة الإنسانية على الأرض.

وجاء جوابه مقتضباً وبليغاً: "كدارٍ لها بابان، دخلتُ من أحدهما وخرجتُ من الآخر!". هذا التشبيه البسيط يحمل في طياته معانيَ عظيمةً. فهو يصور الدنيا كمنزلٍ عابرٍ لا يستقر فيه المرء، بل هو مجرد محطة عبور. الباب الأول يرمز إلى الولادة والمجيء إلى الحياة، والباب الآخر يرمز إلى الموت والرحيل عنها.

تكمن الفلسفة هنا في تأكيد فناء الدنيا وزوالها، مهما طال عمر الإنسان فيها. فحتى أطول الأعمار يبدو قصيراً في منظور الخلود. إنها دعوةٌ للتأمل في حقيقة الوجود الإنساني، وعدم التعلق بزخرف الدنيا ومتاعها الزائل، بل اعتبارها مجرد ممرٍ إلى دار البقاء. هذه الرؤية تُشجع على الزهد في الدنيا والتركيز على ما ينفع في الآخرة، وتُعلي من قيمة الوعي بزمنية الحياة وسرعة انقضائها.