حكمة
نص موثق
«

إذا أردتَ أن تستخدم إنسانًا وتجعله طوع بنانك، وتأمن جانبه، فعليك أن تسلبه شخصيته؛ فذو الشخصية لا يصلح خادمًا جيدًا. ولإحكام السيطرة على أمةٍ ما، ينبغي سلبها شعورها بالإنسانية، أو إضعافه على الأقل. فالشخص ذو الهوية الذاتية خادمٌ رديء، أما فاقدها فخادمٌ أمثل، مطيعٌ، وفيٌّ، سهل الانقياد. وما دام الإنسان الشرقي يشعر بكيانه المستقل وكرامته الأصيلة، فمن المستحيل أن ينحني إلى هذا الحد. لا بد من تجريده من شخصيته التي تحول دون إقراره بسلطتنا، طالما أنه يرى في نفسه شخصًا محترمًا وذا كرامة في موطنه ومحيطه.

»
جودت سعيد العصر الحديث

جوهر المقولة

تتجلى هذه المقولة في تحليلٍ عميقٍ ومُرٍّ لطبيعة السيطرة والتسلط، حيث تكشف عن استراتيجيةٍ قاسيةٍ لإخضاع الأفراد والأمم. إنها تفترض أن جوهر الإنسانية، المتمثل في الشخصية المستقلة والشعور بالكرامة، هو العائق الأكبر أمام الاستعباد الكلي.

يُشير الكاتب إلى أن تحويل الإنسان إلى أداةٍ طيعةٍ مخلصةٍ يتطلب أولاً سلب هويته الذاتية وكسر إرادته الحرة. فالفرد الذي يمتلك شخصيةً قويةً ووعيًا بذاته لا يمكن أن يكون خادمًا جيدًا؛ لأنه سيعارض ويقاوم ويطالب بحقوقه. بينما يصبح فاقد الشخصية، أو من أُضعف شعوره بالإنسانية، أداةً مثاليةً للتحكم، مطيعًا، منقادًا، لا يرى لنفسه قيمةً أو حقًا في الاعتراض.

تُسلط المقولة الضوء على أن الشعور بالكرامة الذاتية والهوية الأصيلة هو الحصن المنيع ضد الاستعباد. فما دام الإنسان يرى في نفسه كيانًا محترمًا وذا قيمة، فإنه لن يقبل بالذل أو الانصياع المطلق. وبالتالي، فإن الهدف الأسمى للمستبد هو تدمير هذا الشعور بالذات، وإقناع الفرد أو الأمة بأنها لا تستحق الكرامة أو الاستقلال، مما يفتح الباب أمام السيطرة التامة والاعتراف بسلطة المستبد دون مقاومة.