جوهر المقولة
تُشيرُ هذه المقولةُ الفلسفيةُ العميقةُ لابنِ القيمِ إلى الفجوةِ الجوهريةِ التي قد تقعُ بين ظاهرِ الأعمالِ وباطنِ القلوبِ. فكثيرٌ من الناسِ قد يُكثرونَ من الأعمالِ الصالحةِ ظاهريًا، ولكنَّ هذه الأعمالَ قد لا تتجاوزُ الجوارحَ لتصلَ إلى عمقِ القلبِ، بسببِ وجودِ ما يُسمِّيهِ "قُطَّاعًا"؛ وهي العوائقُ الباطنيةُ من شوائبِ النياتِ، أو الرياءِ، أو الغفلةِ، أو التعلقِ بالدنيا، أو ضعفِ الإخلاصِ.
عندما لا تصلُ الأعمالُ إلى القلبِ، فإنَّها تفقدُ أثرَها الحقيقيَّ في تزكيةِ النفسِ وتطهيرِها. فلا يتولدُ عنها محبةٌ صادقةٌ للهِ، ولا خوفٌ منه يُلزمُ بالطاعةِ، ولا رجاءٌ في ثوابِه يُحرِّكُ الهمةَ، ولا زهدٌ في الدنيا يُحرِّرُ من قيودِها، ولا رغبةٌ حقيقيةٌ في الآخرةِ تُدفعُ للعملِ الصالحِ، ولا نورٌ يُبصرُ به المرءُ الحقائقَ ويُميِّزُ بين الهدى والضلالِ، ولا قوةٌ روحيةٌ تُثبِّتُه على الحقِّ.
أما إذا وصلَ أثرُ الأعمالِ الصالحةِ إلى القلبِ، فإنَّه يستنيرُ بنورِ الإيمانِ واليقينِ، ويُشرقُ بالمعرفةِ والبصيرةِ، فيُصبحُ قادرًا على رؤيةِ الحقِّ بوضوحٍ وتمييزِه عن الباطلِ، ومعرفةِ أولياءِ اللهِ الصادقينَ من أعدائِه، وتصحيحِ مسارِه في الحياةِ، مُحققًا بذلك الغايةَ الأسمى من العبادةِ وهي صلاحُ القلبِ وتزكيتُه.