حكمة
نص موثق
«

إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد إذ لم تكن أعظم منها، وأحمد إذ رزقت الصبر عليها، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها في ديني.

»
شريح القاضي وينسب لعمر بن الخطاب صدر الإسلام / العصر الأموي

جوهر المقولة

تُظهر هذه المقولة نظرة عميقة وفلسفة إيمانية راقية في التعامل مع المصائب والشدائد، وتحوّلها من مجرد بلاء إلى منحة إلهية.

يبدأ القائل بحمد الله على المصيبة، وهذا الحمد ليس للمصيبة ذاتها، بل لما يترتب عليها من نعم خفية وإيجابيات روحية. فالحمْد الأول "إذ لم تكن أعظم منها" يعكس منظورًا واقعيًا وإيجابيًا، حيث ينظر الإنسان إلى المصيبة الحالية ويقارنها بما هو أسوأ، فيدرك أن الله قد لطف به ولم يجعلها أشد وأفدح، وهذا يبعث على الرضا والقناعة.

والحمد الثاني "إذ رزقت الصبر عليها" يؤكد على أن الصبر ليس مجرد قدرة بشرية، بل هو هبة وتوفيق من الله تعالى. فالقدرة على تحمل الشدائد والثبات في وجهها نعمة عظيمة تستوجب الشكر، لأنها دليل على قوة الإيمان والثقة بالله.

أما الحمد الثالث "إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب" فيشير إلى مفهوم الاسترجاع، وهو قول "إنا لله وإنا إليه راجعون" عند المصيبة. هذا القول ليس مجرد كلمات، بل هو إقرار بالعبودية لله وتسليم لأمره، ويقين بأن المصيبة فرصة لتحصيل الأجر والثواب العظيم من الله، مما يحول الألم إلى رجاء وأمل.

ويأتي الحمد الرابع "إذ لم يجعلها في ديني" ليعبر عن أسمى مراتب الشكر، وهو شكر الله على سلامة الدين. فالمؤمن يرى أن أعظم مصيبة هي التي تصيب دينه أو إيمانه أو عقيدته. فإذا كانت المصيبة دنيوية ولم تمس جوهر إيمانه، فهي هينة ومحتملة، لأن سلامة الدين هي رأس المال الحقيقي والسعادة الأبدية. هذه النظرة تضع الدين في قمة الأولويات، وتجعل كل ما سواه من مصائب الدنيا محتملًا في سبيل الحفاظ عليه.