جوهر المقولة
يُقدم سفيان بن عيينة، وهو من كبار أئمة الحديث، تفريقًا جوهريًا بين نوعين من المعاصي بناءً على الدافع الكامن وراءها، وهو تفريق ذو دلالة عميقة في فهم طبيعة الذنب ومآله. فالمعصية التي تنبع من "الشهوة" هي تلك التي يرتكبها الإنسان بدافع من رغباته النفسية أو ضعف بشري، مع إقراره بخطئه وشعوره بالذنب. لمثل هذا العاصي يُرجى له المغفرة والرحمة، لأن نفسه لا تزال تقبل التوبة والرجوع إلى الحق.
أما المعصية التي يكون دافعها "الكبر" فهي أشد خطورة؛ فالكبر هو رفض للحق، واستعلاء على أمر الله، وتكبر عن الاعتراف بالذنب. هذا النوع من المعصية يجعل القلب قاسياً ويُعيق التوبة، ولذلك يُخشى على صاحبه من سوء العاقبة.
ويُعزز ابن عيينة هذا التفريق بمثالين قرآنيين بليغين: آدم عليه السلام، الذي عصى بدافع الشهوة (الأكل من الشجرة)، فتاب وغُفر له؛ وإبليس، الذي عصى بدافع الكبر (امتناعه عن السجود لآدم)، فلُعن وطُرد من رحمة الله. هذه المقولة تُعلّم أن التواضع والاعتراف بالخطأ هما سبيل المغفرة، بينما الكبر والغرور هما طريق الهلاك، وتُبرز أهمية معرفة دوافع الذنوب في تحديد مدى قرب العبد من التوبة والرحمة الإلهية.