حكمة
نص موثق
«

من أحب الدنيا وسرّته، خرج حب الآخرة من قلبه.

»
حكيم غير معروف قديم

جوهر المقولة

تُعبر هذه المقولة عن حقيقة فلسفية وروحية عميقة تتعلق بتنافر حب الدنيا وحب الآخرة في قلب الإنسان، وتؤكد أن القلب لا يتسع لحبين متناقضين بنفس القدر والعمق. فحب الدنيا وحب الآخرة هما ككفتي ميزان؛ إذا رجحت إحداهما خفت الأخرى.

عبارة "من أحب الدنيا وسرّته" تعني من تعلق قلبه بالملذات الزائلة، والمتاع الفاني، والزينة الظاهرة لهذه الحياة، وجعلها غايته وهدفه الأسمى. عندما تغمر الدنيا النفس بالسرور والرضا بما تقدمه من متع حسية ومادية، فإن هذا الحب يسيطر على القلب ويملؤه، ويُصبح هو المحرك الأساسي لأفعاله وتطلعاته.

النتيجة الحتمية لهذا التعلق المفرط هي "خرج حب الآخرة من قلبه". ليس المقصود هنا الكفر بالآخرة أو إنكار وجودها، بل المقصود هو ضعف الرغبة فيها، وقلة الاهتمام بها، وتضاؤل العمل لأجلها. عندما يمتلئ القلب بحب شيء، فإنه لا يجد متسعًا لحب شيء آخر يناقضه في طبيعته وأهدافه. فحب الدنيا يدعو إلى الراحة واللهو والجمع، بينما حب الآخرة يدعو إلى الجد والعمل والتضحية والاستعداد للمصير الأبدي. هذه المقولة تحث على الموازنة، بل على تقديم حب الآخرة على حب الدنيا، لأن حب الدنيا الزائد يؤدي إلى الغفلة عن المصير الأبدي، ويجعل الإنسان يلهث وراء سراب، بينما حب الآخرة يدفع إلى الاستعداد للحياة الحقيقية الباقية.