حكمة
نص موثق
«

إن الله جعل الصوم مضمارًا لعباده ليستبقوا إلى طاعته.

»
الحسن البصري العصر الأموي/العباسي

جوهر المقولة

هذه المقولة البليغة للحسن البصري تقدم رؤية عميقة وفلسفية للصيام، متجاوزةً كونه مجرد فريضة دينية إلى كونه وسيلة تربوية وروحية غايتها الارتقاء بالإنسان. يشبه الحسن البصري الصيام بـ "المضمار"، وهو المكان المخصص للسباق أو الجري، وهذا التشبيه يحمل في طياته معاني متعددة.

أولاً، يشير إلى **التنافس الشريف**: فكما يتنافس المتسابقون في المضمار لبلوغ الهدف، كذلك يتنافس العباد في الصيام لبلوغ مرضاة الله وطاعته. هذا التنافس ليس على أمور دنيوية، بل هو تنافس في درجات الإيمان والتقوى، حيث يسعى كل مؤمن لتجاوز نفسه والارتقاء في مدارج القرب من خالقه.

ثانياً، يدل على **التدريب والانضباط**: المضمار مكان للتدريب الشاق والانضباط الصارم. والصيام كذلك يدرب النفس على ضبط الشهوات، والصبر، والتحكم في الرغبات، مما يقوي الإرادة ويهذب السلوك. إنه مدرسة لتهذيب النفس وتزكيتها، وتعويدها على الانضباط الذاتي.

ثالثاً، يعكس **الاستعداد والتهيئة**: المضمار يهيئ المتسابقين لسباقات أكبر وأكثر تحديًا. والصيام يهيئ المؤمن لمواجهة تحديات الحياة بتقوى وصبر، ويعده ليكون أكثر طاعة لله في سائر أموره، ويقوي عزيمته على الثبات على الحق.

رابعاً، يحدد **الغاية والهدف**: لكل مضمار خط نهاية، ولكل سباق هدف. وهدف الصيام الأسمى هو "الاستباق إلى طاعة الله". هذه الطاعة لا تقتصر على أداء الفرائض فحسب، بل تشمل كل جوانب الحياة، من حسن الخلق، إلى الإحسان، إلى تجنب المعاصي، والسعي الدائم لمرضاة الله في كل قول وعمل.

في جوهرها، المقولة تؤكد أن الصيام ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة عظيمة لتحقيق غاية أسمى، وهي تقوية العلاقة بالله، وتعميق الإيمان، وتنشيط الروح، ودفع الإنسان نحو المزيد من الطاعات والفضائل، ليصبح بذلك مضمارًا حقيقيًا لتزكية النفس والارتقاء بها.