جوهر المقولة
يشرح ابن خلدون في هذا النص جانبًا عميقًا من فقه اللغة العربية وخصائصها الدلالية. يبدأ بالإشارة إلى أن العرب كانوا يضعون اللفظ لمعنى عام وشامل في البداية، ثم مع تطور الاستعمال وتخصيص الدلالات، أصبحوا يستخدمون ألفاظًا أخرى أكثر دقة وتحديدًا للأمور الخاصة. هذا التمييز بين "الوضع" (المعنى الأصلي العام) و"الاستعمال" (المعنى الخاص المتداول) يخلق تعقيدًا لغويًا يتطلب فهمًا دقيقًا وعميقًا، ويصفه بأنه "فقه في اللغة عزيز المأخذ".
يضرب ابن خلدون مثالًا توضيحيًا بكلمة "الأبيض". ففي الأصل، كانت تُطلق على كل ما فيه بياض. لكن العرب، ببراعتهم اللغوية ودقتهم في التوظيف، خصصوا لكل نوع من أنواع البياض لفظًا خاصًا به: "الأشهب" للخيل البيضاء، و"الأزهر" للإنسان الأبيض، و"الأملح" للغنم البيضاء.
النتيجة الفلسفية واللغوية لهذا التخصيص هي أن استعمال كلمة "الأبيض" بمعناها العام في هذه السياقات الخاصة أصبح يُعد "لحنًا وخروجًا عن لسان العرب". هذا يدل على مدى دقة اللغة العربية وثرائها، وكيف أن الاستعمال الصحيح للألفاظ ليس مجرد مسألة قواعد نحوية، بل هو فهم عميق لدلالات الكلمات وتطورها التاريخي والثقافي. يؤكد هذا النص على أهمية "فقه اللغة" كعلم ضروري لفهم جوهر اللغة العربية وروحها، وكيف أنها تعكس دقة الملاحظة والتصنيف لدى أهلها.