جوهر المقولة
يقدم الفضيل بن عياض، وهو من كبار الزهاد والعباد، رؤية فلسفية وأخلاقية عميقة حول مفهوم العداوة والصداقة، وكيف يمكن للإنسان أن يستفيد حتى من أعدائه. يبدأ بمقولة صادمة مفادها أن حسنات الإنسان تأتيه من عدوه أكثر مما تأتيه من صديقه. ويفسر ذلك بأن الصديق، بحكم محبته، يدعو لصديقه بالخير والعافية، وهذا دعاء قد يُستجاب له في الدنيا والآخرة.
أما العدو، فإنه حين يذكرك، غالبًا ما يغتابك ويذكر مساوئك، وهذا الفعل، وهو الغيبة، يُعد من الكبائر في الإسلام، ويترتب عليه أن حسنات المغتاب تُنقل إلى من اغتابه، وسيئاته تُنقل إلى المغتاب. وهكذا، يكون العدو، بجهله أو بسوء قصده، قد أهدى حسناته إلى من يكره، فصار بذلك مصدرًا للحسنات دون أن يدري. هذا التحليل يقلب الموازين التقليدية للنفع والضرر، ويقدم منظورًا فريدًا لكيفية تحويل الشر إلى خير.
ثم ينتقل الفضيل إلى نصيحة أخلاقية وفلسفية أعمق، وهي كيفية التعامل مع العدو. يحذر من الدعاء بالهلاك على العدو، ويحث على الدعاء له بالصلاح والهداية. والسبب في ذلك أن الدعاء بالهلاك يوافق مراد الشيطان، الذي يسعى دائمًا إلى إهلاك الخلق وإبعادهم عن رحمة الله. فإذا دعا المرء لهلاك عدوه، فكأنه يعين الشيطان على غايته. أما الدعاء بالصلاح والهداية، فهو يتوافق مع مراد الله، الذي يريد الهداية لعباده، وفيه أجر عظيم للداعي، لأنه يسعى لإصلاح الخلق لا لإفسادهم، ولإنقاذهم لا لإهلاكهم. هذه المقولة تدعو إلى نظرة أسمى للعداوة، وتحث على الرحمة والتسامح، حتى مع من يسيء إليك، وتؤكد على أن الخير الحقيقي يكمن في إصلاح النفوس وهدايتها، لا في هلاكها.