حكمة
نص موثق
«

سبحانَ اللهِ! تزينتِ الجنةُ للخطَّابِ، فاجتهدوا في تحصيلِ المهرِ. وتعرَّفَ ربُّ العزةِ إلى المحبينَ بأسمائِه وصفاتِه، فعملوا على اللقاءِ. وأنتَ مشغولٌ بالجِيَفِ!

»
ابن القيم العصر الوسيط

جوهر المقولة

يُقدِّمُ ابنُ القيمِ في هذه المقولةِ العميقةِ مقارنةً بلاغيةً وفلسفيةً بينَ السعيِ الدنيويِّ الزائلِ والسعيِ الأخرويِّ الباقي. يبدأُ بالتعجُّبِ من عظمةِ اللهِ، ثم يُصوِّرُ الجنةَ كعروسٍ مُتزيِّنةٍ تنتظرُ خُطَّابَها (أي المؤمنينَ الصالحينَ)، مُشيرًا إلى أنَّ مهرَها هو الأعمالُ الصالحةُ والتقوى. هذا يحثُّ المؤمنينَ على الجدِّ والاجتهادِ في طاعةِ اللهِ لنيلِ هذا النعيمِ الأبديِّ.

ثم ينتقلُ إلى مستوى أعمقَ، حيثُ يُبيِّنُ أنَّ اللهَ تعالى قد عرَّفَ نفسَه للمحبينَ الصادقينَ بأسمائِه الحسنى وصفاتِه العُلى، مما أورثَ في قلوبِهم شوقًا عظيمًا للقائِه. هذا الشوقُ يدفعُهم إلى العملِ الدؤوبِ والعبادةِ الخالصةِ سعيًا لتحقيقِ هذا اللقاءِ الروحانيِّ الأسمى. وفي المقابلِ، يُوبِّخُ ابنُ القيمِ الغافلينَ الذينَ انشغلوا بـ 'الجِيَفِ'؛ وهي كنايةٌ عن الدنيا الفانيةِ وما فيها من شهواتٍ ومتاعٍ زائلٍ، مُحذِّرًا من الانغماسِ في المادياتِ ونسيانِ الغايةِ الكبرى من الوجودِ، وهي عبادةُ اللهِ والسعيُ للقائِه. المقولةُ دعوةٌ للتأملِ في الأولوياتِ، وتوجيهِ الهممِ نحو ما هو أبقى وأجدى.