حكمة
نص موثق
«

شكوتُ، وما الشكوى لمثلي عادةٌ، ولكن تفيض الكأسُ عند امتلائها.

»
أبو تمام العصر العباسي

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة الفلسفية العميقة لأبي تمام رؤيةً حكيمةً لطبيعة الألم البشري وحدود الصبر. يفتتح الشاعر بيته بالتأكيد على أن الشكوى ليست من شيمه أو عاداته، مما يدل على كبرياء وعزة نفسٍ تدفعه عادةً إلى كتمان أحزانه ومواجهة مصاعب الحياة بصمتٍ وجلَد. هذا الاعتراف يضفي على شكواه اللاحقة ثقلاً ومعنىً خاصاً، فهي ليست شكوى ضعيفٍ أو متذمرٍ بطبعه، بل هي تعبيرٌ عن حالةٍ استثنائيةٍ بلغت فيها النفس أقصى درجات التحمل.

ويأتي الشطر الثاني ليُفسر هذا التناقض الظاهري بمثلٍ بليغٍ ومجازٍ بديع: "ولكن تفيض الكأسُ عند امتلائها". هنا، يُشبه الشاعر النفس البشرية وما تحمله من آلام وأحزان بكأسٍ يمتلئ تدريجياً. فمهما كانت سعة هذه الكأس وقدرتها على الاستيعاب، فإنه لا بد أن يأتي الوقت الذي تبلغ فيه حد الامتلاء، وعندها لا مفر من أن تفيض. هذه الاستعارة تُشير إلى أن الشكوى في بعض الأحيان لا تكون ضعفاً، بل هي ضرورةٌ حتميةٌ لتفريغ الضغوط النفسية المتراكمة، وإشارةٌ إلى أن لكل إنسانٍ طاقةً على التحمل، وبعد تجاوزها يصبح التعبير عن الألم أمراً لا مفر منه، وهو فعلٌ ينم عن بلوغ درجةٍ قصوى من المعاناة لا يمكن كتمانها.