شعر، مناجاة، تصوف
نص موثق
«

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي، جعلت الرجا مني لعفوك سلما. تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما. فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة وتكرما. فلولاك لم يصمد لإبليس عابد، فكيف وقد أغوى صفيك آدما. فلله در العارف الندب، إنه تفيض لفرط الوجد أجفانه دما. يقيم إذا ما كان في ذكر ربه، وفيما سواه في الورى كان أعجما. ويذكر أيامًا مضت من شبابه، وما كان فيها بالجهالة أجرما. فصار قرين الهم طول نهاره، أخا السهد والنجوى إذا الليل أظلما. يقول حبيبي أنت سؤلي وبغيتي، كفى بك للراجين سؤلاً ومغنما. ألست الذي غذيتني وهديتني، ولا زلت منانا علي ومنعما. عسى من له الإحسان يغفر زلتي، ويستر أوزاري وما قد تقدما.

»
محمد بن إدريس الشافعي العصر العباسي

جوهر المقولة

تُعبر هذه الأبيات عن حالة روحية عميقة من التوبة واللجوء إلى رحمة الله وعفوه. يصف الشاعر قسوة القلب وضيق السبل، فيتخذ من الرجاء في العفو الإلهي سلمًا يتسلق به إلى النجاة. إنه إقرار بالضعف البشري والخطأ، لكنه يقابله بيقين راسخ في عظمة المغفرة الإلهية التي تتجاوز كل ذنب.

تُبرز المقطوعة فكرة أن العفو الإلهي متواصل وكريم، وهو أساس صمود الإنسان في وجه وساوس الشيطان، مستشهدًا بقصة آدم عليه السلام كدليل على ضعف البشر وحاجتهم الدائمة للعناية الإلهية. ثم ينتقل الوصف إلى حال العارف بالله، الذي بلغ من الوجد والشوق مبلغًا تفيض معه عيناه دمًا، فيكون لسانه فصيحًا بذكر ربه، صامتًا عن كل ما سواه.

تختتم الأبيات بتصوير لحال التائب الذي يتذكر ماضيه في الشباب وما اقترفه من ذنوب، فيلازمه الهم ويقضي ليله في السهر والمناجاة، معلنًا لله أنه سؤله وبغيته، ومذكرًا بنعم الله المتوالية من تغذية وهداية. وفي الختام، يُعرب عن أمله في أن يغفر له المحسن الكريم زلاته ويستر عيوبه، مؤكدًا على الاعتماد الكلي على فضل الله ورحمته.