جوهر المقولة
يُرسِّخُ هذا الحديثُ النبويُّ الشريفُ مبدأً فلسفيًا وأخلاقيًا عظيمًا في الإسلامِ، وهو قيمةُ العدلِ في الحكمِ والقيادةِ. فقولُهُ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أحبَّ الناسِ إلى اللهِ يومَ القيامةِ وأدناهم منه مجلسًا إمامٌ عادلٌ" يُعلي من شأنِ الحاكمِ الذي يُطبِّقُ العدلَ بينَ رعيَّتِهِ، ويُقرِّبُهُ من رحمةِ اللهِ وعنايتِهِ في الآخرةِ. فالإمامُ العادلُ هو من يُقيمُ شرعَ اللهِ، ويُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، ويُحافِظُ على أمنِ الناسِ ومصالحِهم، ويُحاربُ الظلمَ والفسادَ. وهذا العدلُ ليسَ مجردَ صفةٍ، بل هو ركنٌ أساسيٌّ في بناءِ المجتمعِ الصالحِ وتحقيقِ الاستقرارِ والرخاءِ.
وفي المقابلِ، يُحذِّرُ الحديثُ بشدةٍ من الظلمِ في الحكمِ، فيقولُ: "وأبغضَ الناسِ إلى اللهِ وأبعدَهم منه مجلسًا إمامٌ جائرٌ". فالإمامُ الجائرُ هو من يتعدى حدودَ اللهِ، ويظلمُ الناسَ، ويُفسدُ في الأرضِ، ويستبدُّ بالسلطةِ. إنَّ بُغضَ اللهِ له وإبعادَهُ عنه يومَ القيامةِ يُشيرُ إلى عظمِ جرمِهِ وخطورةِ فعلِهِ، فظلمُ الحاكمِ لا يقتصرُ أثرُهُ على فردٍ أو أفرادٍ، بل يمتدُّ ليشملَ الأمةَ بأسرِها، ويُفسدُ دينَها ودنياها.
إنَّ الفلسفةَ الكامنةَ وراءَ هذا الحديثِ هي أنَّ السلطةَ في الإسلامِ أمانةٌ ومسؤوليةٌ عظيمةٌ، وليستْ مجردَ غنيمةٍ أو وسيلةٍ لتحقيقِ المصالحِ الشخصيةِ. فالعدلُ هو أساسُ الملكِ، وبه تستقيمُ الأمورُ وتُصانُ الحقوقُ. وهذا الحديثُ يُشكِّلُ حجرَ الزاويةِ في الفكرِ السياسيِّ الإسلاميِّ، ويُعدُّ معيارًا إلهيًا لتقييمِ الحكامِ، ويُعطي أملًا للمظلومينَ بأنَّ العدلَ الإلهيَّ سيُحقَّقُ في النهايةِ، ويُحفِّزُ الحكامَ على التحلِّي بالعدلِ والإنصافِ، خشيةً من غضبِ اللهِ وعقابِهِ في الدنيا والآخرةِ.