الدين، الأخلاق، التربية
نص موثق
«

إنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ الثرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفيهقونَ (المتكبرونَ).

»

جوهر المقولة

هذا الحديثُ النبويُّ الشريفُ يُقدِّمُ لنا معيارًا أخلاقيًّا رفيعًا في تقييمِ السلوكِ البشريِّ، ويُسلِّطُ الضوءَ على صفاتٍ ذميمةٍ تُبعدُ صاحبَها عن القربِ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَ القيامةِ، وهو ما يُعدُّ خسارةً عظيمةً في المنزلةِ الروحيةِ. الحديثُ لا ينهى عن الكلامِ فحسب، بل ينهى عن الكلامِ الذي يتجاوزُ حدودَ الحاجةِ والصدقِ والتواضعِ.

"الثرثارون" هم الذين يُكثرونَ الكلامَ بلا فائدةٍ، ويُسهبونَ في القولِ دونَ داعٍ، مما يدلُّ على ضعفٍ في الحكمةِ وقلةٍ في التدبرِ، وقد يؤدي إلى الوقوعِ في الزللِ والغيبةِ والنميمةِ. إنَّ كثرةَ الكلامِ تُذهبُ وقارَ المرءِ وتُقلِّلُ من قيمتِهِ، وتُشغلُهُ عن ذكرِ اللهِ والتفكرِ في أمورِ الآخرةِ.

"المتشدِّقون" هم الذين يتكلَّمونَ بملءِ أشداقِهم تكبرًا وتعاليًا، ويتعمَّقونَ في الكلامِ ويُطيلونَ فيهِ بلا حاجةٍ، أو يتكلَّمونَ بفصاحةٍ مصطنعةٍ لإظهارِ براعتِهم، وهو ما يُشيرُ إلى حبِّ الظهورِ والرياءِ. هذا السلوكُ يُنافي التواضعَ الذي هو من شيمِ المؤمنينَ الصادقينَ.

"المتفيهقون" وهم كما فُسِّرَ في الحديثِ "المتكبرونَ"، وهؤلاءِ هم الذين يتعاظمونَ في كلامِهم ويُظهرونَ أنفسَهم فوقَ الآخرينَ علمًا وفهمًا، ويُعجبونَ بآرائِهم ويُقلِّلونَ من شأنِ غيرِهم. الكبرُ آفةٌ قلبيةٌ تُفسدُ العملَ وتُحبطُ الأجرَ، وتُبعدُ العبدَ عن ربِّهِ وعن خلقِهِ.

فلسفيًّا، يُعلِّمُنا هذا الحديثُ أنَّ جوهرَ القربِ من اللهِ ورسولِهِ ليس بكثرةِ الأقوالِ أو زخرفتِها، بل بصدقِ النيةِ، وتواضعِ القلبِ، وحسنِ العملِ، والالتزامِ بالصمتِ إلا فيما فيه خيرٌ. إنه دعوةٌ إلى ضبطِ اللسانِ، وتزكيةِ النفسِ من آفاتِ الكبرِ والرياءِ، والتحليِّ بالأخلاقِ الفاضلةِ التي تُقرِّبُ العبدَ من خالقِهِ ومن عبادِهِ الصالحينَ.