جوهر المقولة
يتجاوز هذا القول العميق لمحمود درويش، الشاعر الذي ارتبطت حياته وشعره بقضايا المنفى والوطن، الحدود المادية للمكان. إنه يشير إلى أن مفهومي 'الوطن' و'المنفى' هما في الأساس بناءاتٌ، تُحدَّد وتُشكَّل باللغة والسرد والتعبير الشعري.
بالنسبة لدرويش، الذي قضى جزءاً كبيراً من حياته في المنفى، ربما كانت الأرض المادية بعيدة المنال، لكن اتصاله بها، وهويته ذاتها، صُقلت وحُوفظ عليها من خلال الكلمات – الشعر والقصص والذاكرة. تُلمّح المقولة إلى أن الجوهر الحقيقي للانتماء أو التشرّد لا يكمن في الموقع الجغرافي، بل في الفضاء اللغوي والخيالي حيث تُصاغ هذه الحقائق وتُشعر وتُشارك. إنها ترفع من شأن قوة اللغة في خلق الواقع أو الحفاظ عليه أو حتى تجاوزه، جاعلةً الكلمات هي الحَكم الأخير للهوية والوجود، خاصةً لأولئك الذين انقطع اتصالهم المادي بوطنهم. بهذا المعنى، تصبح الكلمات هي 'الوطن' أو 'المنفى' الحقيقي الوحيد.