إن الحضارة، في سعيها الدائم لخلق ضرورات جديدة وقدرتها على فرض الحاجة على من لا حاجة له، تعزز التبادل المادي بين الإنسان والطبيعة، وتُغري الإنسان بالحياة الظاهرية على حساب حياته الباطنية. “أنتج لتربح واربح لتبدد” هي سمة متأصلة في طبيعة الحضارة. أما الثقافة، فتميل إلى التقليل من احتياجات الإنسان أو الحد من درجة إشباعها، وبهذه الطريقة توسع آفاق الحرية الباطنية للإنسان.

هي التي صاغت من هشاشتها صلابةً فريدة، وعلمت الطاغية كيف تُرفض اهتماماته المريبة بقيمتها. ففي سلة مهملات واسعة، قُرب حذائها الصغير، ألقت بالمناصب الجليلة المعروضة والألقاب الرفيعة المقترحة، ودعوات البلاط أو القصر التي يسارع إليها غيرها، مكتفيةً بسعادة القارئ بوهج السطور من يديها، وبهجة الطالب بنور المعرفة من عينيها.