إذا كانت الراحة في الجهل بالشيء، فالتعب كامنٌ في العلم به، وكم من علمٍ لو انكشف لنا لكان فيه شقاء عيشنا، وكم من جهلٍ لو ارتفع عنا لكان فيه هلاكنا.
إن الشعور بالمسؤولية تجاه أمرٍ تنفرد به مرهقٌ إلى حد التعب، لا سيما كلما راودتك فكرة مدى استحقاقك له.
إن الجندي المؤمن يرمق الظلام في جنح الليل بطرفٍ يكاد يخترق سدوله، ويبحث عن ألف حيلة لمقاومة العدو ودحره. والعامل المؤمن يجفف العرق وينفي عن نفسه التعب، لأنه ببواعث الحب لا القهر، يريد خدمة أمته وإعلاء رسالته.
من الطبيعي أن يتعب الإنسان من العمل، ومن الطبيعي أن يسعى للراحة. ولكن ليس كل إنسان قادرًا على إيجاد أفضل الطرق لراحته؛ فهناك أناس يكدسون التعب، ويصبحون بذلك عاجزين عن الخروج من مطب الشعور المستمر بالإرهاق، سواء ناموا أم لم يناموا. فبعض الناس ينهض من نومه ويشكو من قلة النوم، مع أنه نام ساعات طويلة. وهناك أيضًا إنسان ينام ساعات قليلة، وينهض في غاية الصحة والعافية، فالقليل من الراحة يكفيه تمامًا. وقد كان نابليون ينام فوق ظهر حصانه دقائق مكثفة أثناء المعارك، وبعدها يكون في غاية النشاط وكأنه نام يومًا كاملًا.
استمر في الجدال والنقاش حتى تبلغ حد السأم منهما، عندئذٍ ستتوقف عن المشاحنات، وتضع لذة السكينة النفسية فوق لذة الظفر في المناظرات العقيمة.
الألم عابرٌ، يأتي ويرحل، بينما ننسحق تمامًا تحت وطأة الوجع المقيم. الجروح تلتئم، ولكن الأوجاع مزمنة تنخر في الروح.
إن الناس اليوم في عجلة من أمرهم، يتحركون هنا وهناك، يتخبطون ويضجّون ويصرخون، يتزاحمون ويتصادمون، ويحثون الخُطى ويُغذّون السير، بدعوى العمل لسعادة الإنسانية! وقد ندب مفكرٌ معتزلٌ عن العالم حظ البشر قائلًا: “لقد أصبحت الإنسانية مسرفة في الجلبة والضوضاء، مفرطة في الصناعة، على أنقاض الهدوء النفسي والغبطة الروحية.” فأجابه مفكرٌ آخر يطوف هنا وهناك، ويشيح بوجهه عن الأول منتصرًا متعاليًا: “ليكن ذلك. ولكن ضجَّة العربات التي تحمل الخبز للبشر الجياع قد تكون أفضل من الهدوء النفسي والغبطة الروحية.”